الصفحة 11 من 43

أتم الصقل بمكة، على أيدي فصحاء قريش، فقد انصبت جداول الفصاحة وتدفقت ينابيع البلاغة إلى مكة، بسبب وجود البيت الحرام ومن يقصده من العرب للحج والطواف فيه، بانتقاء مفرداتها وصيغها وتراكيبها، فأكسبها ثروة عظيمة من خلاصة ألسنة العرب الوافدين إليها، وقد علا من شأن قريش، وارتفع من قدرها أن صارت حارسا على لغة العرب، بل صارت هي الحكم فيها عند الاختلاف والتنازع، فسوق عكاظ ـ مع غيره من سائر الأسواق ـ الذي تجتمع العرب فيه كل سنة لإلقاء القصائد، والمدائح، والمفاخر صارت قريش هي سيدةَ القصيدة، والحاكمة بجودتها، والقاطعة بقبولها، فقد أحكمت قريش اللغة العربية أيما إحكام، فحق لها أن تفخر بلغتها تيكم، فبعث الله نبيه في قلب المجتمع المكي، ومن لسانه وجاءهم بكتاب لم يخرج عن لسانهم، ونظام كلامهم قِيد أَنملة وتحداهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة، أو بآية فلم يقدروا على شيء منه، بل ولم يؤثر عنهم أي محاولة، إلا عمن كان غريبا عن قريش، قصد به جلب الأطماع وتكثير الأتباع، ذلكم هو مسيلمة الكذاب، ولكنه قد خسر وخاب، وصارت محاولته في تباب، وانتكس على وجهه وسد عليه الباب، وما صنيعه إلا كصنع فرعون مع قومه، فاستخفهم فأطاعوه.

قال الله ـ عز وجل ـ: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [1] وقال: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر

(1) سورة الإسراء آية: (88) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت