الصفحة 50 من 562

وبعد الحرب العالمية الثانية، واجه المخططون البريطانيون خسارة وشيكة للإمبراطورية وصعود قوتين عظميين جديدتين، لكنهم كانوا قد عقدوا العزم على الحفاظ على أقصى ما يمكن من النفوذ السياسي والتجاري في العالم. ورغم أن جنوب شرق آسيا وأفريقيا كانا مهمين بالنسبة للمخططين البريطانيين، أساسا بسبب مواردهما من المواد الخام، فقد كان الشرق الأوسط هو الذي تريد لندن ممارسة نفوذها عليه، بسبب احتياطياته الهائلة من النفط. ومع ذلك، فقد ظهر فيه عدو رئيسي اتخذ شكل القومية العربية الرائجة بقيادة جمال عبد الناصر في مصر، التي سعت للنهوض بسياسة خارجية مستقلة وإنهاء اعتماد دول الشرق الأوسط على الغرب. ولاحتواء هذا التهديد، لم تساند بريطانيا والولايات المتحدة ملكيات وقيادات إقطاعية محافظة موالية للغرب فحسب، وإنما أقامتا أيضا علاقات سرية مع قوي متأسلمة، خاصة الإخوان المسلمين، لزعزعة استقرار الحكومات ذات النزعة القومية والإطاحة بها.

ومع سحب بريطانيا لقواتها العسكرية من الشرق الأوسط في أواخر الستينيات، اعتبرت قوي متأسلمة مثل النظام السعودي، ومرة أخرى الإخوان المسلمون، قائمة مقامها في الحفاظ على مصالح بريطانيا في المنطقة، لمواصلة زعزعة النظم الشيوعية والقومية، أو كقوة عضلية تدعم حكومات الجناح اليميني الموالية للبريطانيين. وبحلول سبعينيات القرن الماضي، كانت القومية العربية قد هزمت فعليا باعتبارها قوة سياسية، جزئيا بفضل المعارضة الأنجلو أمريكية لها، وحلت محلها لحد كبير قوة الإسلام المتطرف الصاعدة، التي اعتبرتها لندن ثانية سلاحا تحت الطلب لدحر بقايا القومية العلمانية والشيوعية في دول رئيسية مثل مصر والأردن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت