الصفحة 22 من 38

وما يحتاجون إليه. فعلى من يتصدى للدعوة إلى الله -عز وجل-، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتأمل جيدًا في أسلوبه وطريقته، وأن يتأمل نفسه ومدى استعداده، وأن يتأمل في القوم الذين يدعوهم ويأمرهم وينهاهم، وبهذا نعلم أن مقام العامة يختلف عن مقام الطلاب، ومقام المسلمين غير مقام الكفار، ومقام النساء يختلف عن مقام الرجال، وهكذا فلكل مقام مقال. والناس ليسوا سواء في الاستجابة إلى الحق وقبول الدعوة، فمنهم السريع جدًا في الاستجابة ومنهم البطيء جدًا ومنهم بين هذين الحدين في درجات كثيرة جدًا تستعصي على العد والإحصاء [1] . ومما يتعين مراعاته مراعاة جهل المذنب وحاله قال تعالى:"إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا"النساء: 17. العاصي جاهل قطعًا ولولا جهله لما عصى الله، ووجه جهل العاصي أنه يجهل قدر ربه وما يجب له من طاعة لحق ربوبيته وألوهيته وعظمته وكمال أنعامه على عبده وكمال فقر العبد له، وعدم خفاء شيء على الله تعالى مما عمل الخلق، وأنهم مجزيون على أعمالهم. ومن جهل العاصي جهله بضرر الذنوب. (قال مجاهد وغير واحد من أهل العلم: كل من عصى الله خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب) [2] .

5.تجديد الوسيلة المطروحة لا يتعارض مع الأصل القائم، فكن مبدعا مجددًا متجددًا في كل الوسائل السابقة البنائية والوقائية والعلاجية، وأوصلها بطرق تتناسب مع المستهدفين من حيث البيئات والمراحل وجميع حاجاتهم. فربما كانت محاضرة أو دورة أو تكليف بعمل ما، والاستفادة من المواقف وتوظيفها. (يحكى عن الإمام بشر الحافي رحمه الله سار ومعه رجل في طريق، فعطش صاحبه، فقال له: تشرب من هذه البئر؟ فقال بشر: اصبر على البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر الأخرى. فما زال يعلله .. ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا) [3] .

6.افتح آفاق التوبة ووسع سبل العودة ونوع طرق الأوبة ومد يد العون وساهم في إنقاذ الغرقى واحرص على ذلك متتبعًا الهدي النبوي القويم والشريعة المجتباة، تقول عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم:"أتى رجل إلى رسول الله في المسجد في رمضان: فقال: يا رسول الله! احترقت احترقت، فسأله رسول الله ما شأنه؟ فقال: أصبت أهلي، فقال: تصدق، فقال: والله يا نبي الله مالي شيء، وما أقدر عليه، قال: اجلس اجلس، فبينا هو ذلك أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام، فقال رسول الله: أين المحترق آنفًا؟ فقام الرجل، فقال رسول الله: تصدق بهذا، فقال: يا رسول الله أغيرنا؟ فوالله إنا لجياع مالنا شيء، قال: فكلوه" [4] . فانظر إلى أسلوب تعامل النبي مع هذا المذنب، لم يوبخه، ولم يعاقبه ولم يقنطه، بل سارع لبحث طرق علاج مشكلته للتخلص من آثار ذنبه، بطرح أنواع الحلول حتى يختار منها المناسب، لقد فتح له أبواب الأكل، بل جاءه قانطًا خائفًا فحوّله النبي آمنًا مبتسمًا غنيًا، هكذا يجب أن يفعل الدعاة مع

(1) "المراهقون"لعبد العزيز النغيمشي, ص 376.

(2) "تفسير ابن كثير" (1/ 463) .

(3) "صيد الخاطر"لابن الجوزي, ص 99.

(4) أخرجه البخاري (6322) , وأخرجه مسلم واللفظ له (1874)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت