الصفحة 6 من 27

وكذلك قوله تعالى {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} {مريم: 12} أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه [1] ولا شك أن الاجتهاد لا يأتي إلا بهمة عالية وعمل مستمر بلا هوادة ولا انقطاع.

ومنها ما جاء بمعنى ضرورة التقوي وزيادة الإرادة وشحذ الهمم كما في قوله تعالى {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} {البقرة:} (63) وفي قوله تعالى {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} {البقرة:93} وفي قوله {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {الأعراف: 171} قال قتادة القوة: الجد [2] ، ولأن ما يؤخذ بقوة يعطى بقوة، والأخذ بقوة يدل على عشق الآخذ للمأخوذ ومادام المؤمن يعشق المنهج فإنه سيؤدي مطلوباته بقوة فالإنسان دائما عندما يأخذ شيئا لا يحبه فإنه يأخذه بفتور وتهاون [3] .

ومنها ما جاء بمعنى عدم التهاون مع ديمومة الانتباه والاستعداد ومن ذلك قول الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} {الأنفال:60} قال ابن عاشور والقوة كمال صلاحية الأعضاء لعملها [4] أي (استنفارها وتعبئتها) ، وتطلق مجازا على شدة تأثير شيء ذي أثر، وتطلق أيضا على سبب شدة التأثير [5] ، ومن ذلك روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم"المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعُكَ، واستِعِن باللَّهِ ولا تعجِزْ" [6] .

ومنها أيضًا قوله تعالى {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الزخرف:43]

ومنها ما جاء بمعنى والصبر والتقوي وما يلزمه من همة فقال تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] ، قال البقاعي رحمه الله أي اعبده بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك، واصبر صبرًا عظيمًا بغاية جهدك على ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك لأجل عبادته سبحانه فإنها لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة [7] .

(1) - عبدالرحمن بن ناصر السعدي - تيسير الكريم الرحمن: في تفسير كلام المنان (ج/16/ 490)

(2) -تفسير ابن كثير - دار طيبة -ط 2002 (ج 1/ 288)

(3) - محمد متولي الشعراوي -تفسير الشعرواي- الخواطر: مطابع أخبار اليوم، 1997 م (ج 1/ 467)

(4) - محمد الطاهر ابن عاشور- التحرير والتنوير- دار سحنون (ج 11/ 55)

(5) - محمد الطاهر ابن عاشور- التحرير والتنوير- دار سحنون (ج 11/ 55)

(6) - صحيح مسلم (2664)

(7) - نظم الدرر - البقاعي 12/ 232

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت