وكما ذكرنا آنفا أن القرآن الكريم نزل بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن هذا النداء والأمر الإلهي موجه أيضا إلى من هن دونهن من النساء، بل جمع الله تعالى في الآية (59) من سورة الأحزاب الأمر بالحجاب لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين جميعا في نفس الآية. فهذه الآيات من سورة الأحزاب كرر الله تعالى النداءات إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أوصاهن قائلا {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32] .
أي لا تلين الكلمات وترققن الصوت إذا تكلمتن مع الأجانب من الرجال (غير المحارم) فيطمع الذي في قلبه مرض، أي نفاق وضعف إيمان مع شهوة عارمة تجعله يتلذذ بالخطاب، ثم أمرهن تعالى بقوله (وقلن قولا معروفا) وهو ما يؤدى إلى المعنى المطلوب دون زيادة ألفاظ وكلمات لا حاجة لها.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: المرأة تندب إذا خاطبت الرجال الأجانب إلى الغلظة في القول من غير رفع الصوت، فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام.
ثم أمرهن الله تعالى بالإقرار في بيوتهن فقال (وقرن في بيوتكن) أي اقررن بمعنى اثبتن فيها ولا تخرجن إلا لحاجة لابد منها، (ولا تبرجن) أي إذا خرجتن لحاجة فلا تخرجن سافرات متطيبات متزينات. (تبرج الجاهلية الأولى) أي قبل الإسلام، إذ كانت المرأة تتجمل وتخرج متبخترة متكسرة متغنجة في مشيتها وصوتها تفتن الرجال. ثم أمرهن سبحانه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم أخبرهن تعالى بالعلة في ذلك وهو إرادته تعالى بتطهيرهن من الدنس والآثام إبقاء على طهرهن، لأن الخروج بكثرة، وعدم إقرارهن في البيت قد يؤدى إلى الفتن التي لا تخفى على كل من له أدنى بصيرة، ثم أمرهن أيضا بذكره سبحانه المتمثل في القرآن والسنة المطهرة الشريفة (الحكمة) على جهة الموعظة، وختم الآية الكريمة بقوله (إن الله كان لطيفا خبيرا) أي لطيف بكم، خبير بأحوالكم وما تؤول إليه الأمور من خير أو شر.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59] .