الصفحة 35 من 46

وهي ذات الرحمة الإلهية التي واكبت التدرج في فرض الصيام على ثلاث مراحل، وهو ما ذكره الإمام ابن كثير, وهي:

المرحلة الأولى: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصيام عاشوراء:

وكانت حين قدم الرسول صلى عليه وسلم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيامٍ, وصام عاشوراء. ثم أنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .

المرحلة الثانية: مرحلة التخيير في فرض الصيام:

فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ عنه، قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] . {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] .

المرحلة الثالثة: الصيام على من شهد شهر رمضان:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] . {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] . {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] .

فأثبت الله عز وجل صيامَ رمضان على المقيم الصحيح, ورخَّصَ فيه للمريض والمسافر, وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام.

بين الإمام ابن القيّم الجوزية في كتابه"مفتاح دار السّعادة"الحكمة من التدرّج الإلهي والتشريعي في فرض الصيام، فيقول: (لمّا كان ــ أي: الصّوم ــ غيرَ مألوفٍ لهم، ولا معتادٍ، والطِّباعُ تأباه؛ إذ هو هجرُ مألوفِها ومحبوبِها، ولم تذقْ بعدُ حلاوتَه وعواقبَه المحمودةَ، وما في طيِّه من المصالح والمنافع، فخُيِّرت بينه وبين الإطعام، وندبت إليه، فلمّا عرَفَت علّته وألِفَتْه، وعرفت ما تضمّنه من المصالح والفوائد، حُتِم عليها عينًا، ولم يقبل منها سواه، فكان التّخيير في وقته مصلحةً، وتعيينُ الصّوم في وقته مصلحة، فاقتضت الحكمة البالغة شرعَ كلِّ حكمٍ في وقته؛ لأنّ المصلحة فيه في ذلك الوقت) .

وتتجلى الرحمة الإلهية حين أباح الله تعالى للمريض والمسافر الفطر في رمضان، رحمة بالعباد وتيسيرًا عليهم، وهو الذي أعطى للفقهاء قدرًا كبيرًا من الاختلاف حول المرض المبيح للفطر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت