لهذا كانت الإضافة التي فيها التشريف"الصيام لي وأنا أجزي به"، ذلك أن الرياء يحصل مرة بالقول، وأخرى بالفعل، وهذا الثاني لا يدخل الصوم، وأما الأول فقد يدخل الصوم كمن يتبجح بخبره أنه صائم، فهو من هذه الحيثية يدخله الرياء، كما يقول ابن حجر، واختار في دفع الإيراد أن الرياء الذي حصل إنما حصل من القول، ولم يكن حصل بنفس الصيام الذي وصف بأنه لا يدخله الرياء، وإنما حصل مِن أمر زائدٍ على الصيام، وقد اختار بعض العلماء في التأويل أنَّ الصيام لم يعبد به غير الله تعالى، وهو من تمام الخلوص في النية لله، والخلوص في تحري النجاة بالصيام كعبادة من المفاسد المنهي عنها، والإخلاص في أداء الصيام على الوجه الأكمل تنفيذًا لأوامر الله تعالى، ومحبة فيه سبحانه، وخوفًا منه.
ولئن عاد بي الزمان دورته، وطرحت السؤال على نفسي، ماذا يعني أن الصيام في شهر رمضام مدرسة؟ لأجبت: أن ما تعلمته في هذه المدرسة من التحلي بالصبر، ودفع الإساءة بالحسنة، وكظم الغيظ، والتحكم في آليات نفسي داخليًا وخارجيًا، من المحافظ على اتزاني الداخلي، وإشاعة السلام في نفسي، والبعد عن المكدِّرات، وعمَّا عساه يجلب الغضب، الذي يؤدي إلى التشاجر، والسباب،، كما تعلمت في هذه المدرسة التنافس في المحمود من الأمور من محاولة التنافس في الخيرات، واكتساب الثواب، والجهاد ببث النشاط في النفس من أجل كسب العيش، وأداء الفرائض، والمواظبة على تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره، والحرص على البسمة في وجه أخي المسلم، وعدم التعلل بالصيام ومتاعبه، وإظهار الفرح بقدوم رمضان شهر الطاعات والقربات بديلًا عن التأفف منه، والعبوس من اقتراب أيامه.
دعوة الرافعي للعالم إلى الدخول في مدرسة رمضان:
يرى أديب العربية الكبير الراحل مصطفى صادق الرافعي أن الصوم مدرسة الثلاثين يومًا، وينصح بأن تكون عالمية، ويدعو العالم إلى معرفتها وتطبيقها، ذلك أن شمول الصوم لمقومات التهذيب والتأديب والتدريب تجعل الناس فيه سواء: ليس لجميعهم إلا شعورٌ واحد، وحسٌّ واحد، وطبيعة واحدة، ويُحْكِمُ الأمر؛ فيحول بين البطن وبين المادة، الأمر الذي يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة، تتلبس بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يُعَلِّم الرحمة، ويدعو إليها، فَيُشْبِع فيها بهذا الجوع فكرةً معينة هي