صيامه إلّا الجوع». وقد نهى الله في الحج عن الرفث والفسوق والجدال، فقال عزّ من قائل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} .
وقد ظهر في هذه الآيات وفي هذه التوجيهات إعجاز التنزيل وإعجاز التشريع، فإن الصوم، لثقله على النفس وبُعد الصائم عن مألوفاته وهجره لعاداته: مظنّةٌ لغيبة يشفي بها الإنسان نفسه أو يقتل بها وقته، والخوض في خصام أو لجاج لحدّة النفس والغضب لأدنى سبب، فنُهي عن ذلك. وكذلك الحاج مُعرَّضٌ لخطر الرفّث وهو الفحشاء وقلة الحياء، والفسوق والجدال، لبعده عن الأهل، وطول السفر وحصول المشقة والمرور بأحوال مختلفة، والاختلاط بأناس ورفاق، لم يألفهم ولم يألفوه، فالحج مظنّة لكل ذلك فحذَّر الله الحاج في سبيله القاصد لبيته عن كل ذلك، ولا يعلم ذلك إلّامن أحاط علمه بكل شيء، وعرف طبيعة الإنسان ومواضع ضعفه وسقطته، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} .
وقد شمل الصوم والحج أنواعًا من الطاعات، وضروبًا وأساليب من البرّ والعبادات، ليست معرضة ولا داخلة في صميم الصوم والحج، كالانفاق والمواساة والرحمة والخدمة والبرّ، والصدقة والقيام وإحياء الليالي، والتسبيح والتلاوة، تُقوّي الصوم والحج وتكثِر ثوابهما وفضلهما، فقال العليم الحكيم: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ} .
وحثّ على التزوّد للقيام بالحج في عفة ونزاهة، والتزوّد للآخرة بالإكثار من الخيرات، وأنواع العبادات، وقال عزّ وجلّ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} ، وقد أمر الصائم بالتزوّد لصومه كذلك، وهو التسحّر الذي يقوّي على الصوم ويعين عليه، والحاج يأخذ الزاد والراحلة، وهنا اقترن الصوم بالحج كذلك، فكلاهما يجري في رهان واحد. [تأملات في القرآن الكريم: الإمام أبو الحسن الندوي ـ بتصرف] .
ويتصل بالحديث السابق اتصالًا وثيقًا، الالتزام بالنهج التعليمي الصارم في الحفاظ على الصوم الذي سيفوز فيه الصائم بثواب الله الكامل، وهو الشرط الوارد في كيفية الصيام النوعي من حيث جودة الأداء التي تشير إليها مقاييس الجودو والكفاية والإتقان في الأداء، وهو أن:"الصيام جنة"بمعنى الوقاية من سوء الخلق والسفه والجهل، وارتكاب المعاصي، وفي الصيام وقاية للعبد