المساجد، ومجالس الذكر والقرآن، بعد أن خلت الأرض من الشياطين ومردة الجن الذين صفدوا وحبسوا كي لا يعكروا أجواء الصفاء الإيماني لهذا الشهر:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة" [رواه الترمذي وصححه الألباني] .
من خصائص مدرسة رمضان أن الأمر في التعلم من مناهجها لا يدور بين الاستحباب والواجب، بل هو على سبيل الفرض بالأمر الوارد في النص الإلهي من محكم التنزيل، والتي توجب الصوم لغاية عظمى وهي بلوغ التقوى، يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن ما علاقة الصوم بالتقوى؟
ولو لم يكن بينهما علاقة ظاهرة لما ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم، وإن خفيت على المتأمل فيها والباحث عنها، غير أن من المؤكد أن العلاقة بينهما علاقة اتصالية كعلاقة السبب بالنتيجة من حيث التلازم، ذلك لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات كما يقول الإمام البغوي في تفسيره، أو أن الصائم في الغالب تكثر طاعته والطاعات من خصال التقوى كما يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره.
غير أن أهم علاقة حقيقية بين الصوم والتقوى هي من حيث موقعهما الجغرافي من جسم الإنسان، وهو"القلب"، فالتقوى محلها القلب، والصوم محله"القلب"لتميزه بخصوصية لا تتوافر في غيره من العبادات، وهي"السرية"مما يجعل الرقابة فيها رقابة خفية ذاتية تتواصل فيها بوصلة القلب مع الله تعالى الرقيب على العباد وأحوالهم في السر والعلن، والظاهر والباطن، والصوم لا يعرف العلن ولا يهمه، فهي علاقة خاصة بين العبد وربه من حيث الأداء في حال العبد الذي يصوم ويحافظ على صومه منفردًا أو في وسط جماعة، في بلده أو مغتربًا، وعلاقة خاصة بين العبد وربه من حيث الثواب والجزاء.