الصفحة 36 من 50

المبحث الرابع

المعارضون للصرفة وأدلتهم.

لقد عارض القول بالصرفة العديد من العلماء، سواء كانوا ممن هم على مذهب من قال بها، أم من غيرهم، وفيهم من القدماء كما من الحدثاء كذلك، وكذلك كان هناك معارضة للصرفة من بعض التلاميذ لشيوخهم وإن لم تكن معارضة تامة، فقد خالفوهم في مفهومها أو في جعلها وجه مستقل من وجوه الإعجاز أم هي وجه آخر بجانب إعجاز البلاغة والنظم، على تفصيل في ذلك، وأسوق هنا العلماء الذين ردوا القول بالصرفة مع أدلتهم وحججهم سواء العقلية أم النقلية في ذلك:

أولا: من أقدم من رفض فكرة الصرفة الإمام الخطابي، بعد أن عرض مفهوم الصرفة عند القائلين بها، رفض القول بها وقال: لأن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه {قُلْ لَئِنْ اجَتَمعَتِ الإنسُ والجِنُّ عَلى أَنْ يأتُوا بمثْلِ القُرآنِ لا يأتُونَ بمِثْلِهِ وَلوْ كانَ بَعْضُهمْ لبعضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء، 88] ، فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلاءم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها والله أعلم [1] وعقب الشهري على هذا الكلام بقوله: ويفهم من قول الخطابي هذا أن الصرفة على رأي النظام كانت واضحة المعالم، حيث قد وصفها وشرحها القائلون بها، وهذا الوجه الذي نقض به الخطابي الصرفة وجه دقيق، حيث لا جدوى من اجتماع الجن والإنس إذا كانوا قد صرفوا صرفا خارجا عن إرادتهم عن المعارضة، وكأن الخطابي عندما وصف وجه القول بالصرفة بأنه وجه قريب، يعني أنه قريب فهمه للعقول التي لا تطلب التعمق في الأدلة [2] .

(1) - الخطابي، بيان إعجاز القرآن، ص 23.

(2) - الشهري، ص 83 - ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت