ثانيا: من الذين أنكروا القول بالصرفة، أبو بكر الباقلاني الأشعري، فقال: ومما يبطل ما ذکروه من القول بالصرفة أّنه لو کانت المعارضة ممكنة لم يكن الكلام معجزًا، وإنما يكون المنع هو المعجز فلا يتضمن الكلام فضيلة علي غيره في نفسه [1] .
ثالثا: ومن الذين ردوا القول بالصرفة القاضي عبد الجبار فيقول: بين تعالى عظم شأن القرآن بقوله (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) فنبه بذلك على أن له من الرتبة في الفصاحة ما لا تدركه العباد انفردوا أو اجتمعوا، ولو كانوا يقدرون عليه، وإنما صرفوا عنه لم يكن لهذا القول معنى [2] وفي كلامه هذا ينفي الصرفة بمفهومها عند النظام، كما أنه يرفضها بمفهومها عند الجاحظ [3] .
رابعا: من المعارضين للقول بالصرفة أيضا عبد القاهر الجرجاني في الرسالة الشافية يرفضها ويبين توهم من قال بها، ولأي سبب صدح بها، فبين في الرسالة أن سبب قولهم بها هو أنهم يعتقدون أن التحدي كان في لفظه ومعناه، فيقول: فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في"الصرفة"إلى الوجه الآخر، فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما الذي دل على فساده؟ فإن على فساد ذلك أدلة منها قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات} [هود: 13] ، وذاك أنا نعلم أن المعنى: فأتوا بعشر سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء إذا وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى وجب أن يكون المراد: إن كنتم تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي من الله، فعضوا أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت معاني
(1) - الباقلاني، إعجاز القرآن، ص 48.
(2) - الهمذاني، القاضي عبد الجبار بن أحمد، تنزيه القرآن عن المطاعن، دار النهضة الحديثة - بيروت، 2005 م، بدون ذكر محقق، ص 232 - ص 233
(3) - انظر المغني في أبواب العدل والتوحيد، للقاضي عبد الجبار، (ج 16، ص 322) .