الصفحة 34 من 50

المطلب الثاني: أدلة القائلين بالصرفة.

مما يجب التنبه إليه أن من قال بالصرفة لا يوجد له دليل نقلي، وإنما جل ما اعتمدوا عليه في إقامة صرح مذهبهم هو أدلة عقلية، كما ذكر الرماني فقال: القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة، كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة، وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر فيها للعقول [1] .

فهذا الذي ذكره الرماني حجته تظهر للعقول، على أن هناك تعليل عقلي أخر ذكره الباقلاني في معرض رده على من قال بالصرفة، من أنه من أمكنه نظم كلمتين ومن ثم مثلها إلى أن ينظم قدر أية أو سورة، فقال: فلم زعمتم أنّ البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات، وهلا قلتم من قدر على هذه الوجوه البديعة بوجه من هذه الطرق الغريبة، كان مثل نظم القرآن قادرًا، وإنما يصرفه الله عنه ضربًا من الصرف أو يمنعه من الإتيان بمثله، ضربًا من المنع أو تقصر دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه، ليتكامل ما أراده الله من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاد الحجة، لأنّ من قدر على نظم كلمتين بديعتين، لم يعجز عن نظم مثلها، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة، حتى يتكامل قدر الآية والسورة [2] .

وقد بين البلخي موضحا لمذهب القائلين بالصرفة وحجتهم في ذلك، فيقول: واحتج الذين ذهبوا إلى أن نظمه - يعني القرآن - ليس بمعجز، إلا أن الله تعالى أعجز عنه، فإنه لو لم يعجز عنه لكان مقدورا عليه، بأنه حروف قد جُعل بعضها إلى جنب بعض، وإذا كان الإنسان قادرا على أن يقول

(1) - الرماني، النكت في إعجاز القرآن، ص 110.

(2) - الباقلاني، محمد بن الطيب أبو بكر، إعجاز القرآن، دار مصر للطباعة، نشر مكتبة مصر، 2013 م، تحقيق: أبو بكر عبد الرزاق، ص 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت