الصفحة 23 من 50

وكذلك علاقة أصل التوحيد بمفهومه عند المعتزلة، فعندهم التوحيد لأجل التنزيه هو نفي الصفات الذاتية، وتأويل الخبرية منها، وبالتالي القول بخلق القرآن على اعتبار لا صفة كلام للخالق وبالتالي هو ليس معجز، ويقولون أنه يستحيل أن يكون القرآن في مكانين في حالة واحدة، فهذا الذي نقرأه حكاية عن المكتوب في اللوح المحفوظ، وأما ما نقرأه فهم من خلقنا وفعلنا، ويقولون بأن انتقال القرآن للرسول يتغير ويلزم منه فقدان صفة الإعجاز في الألفاظ، لأنه حكاية، وبهذا قد سووا بين القرآن والحديث القدسي، ويعتبرون بلاغة القرآن غير معجزة لأنها غير صادرة من الله، بخلاف المعاني التي وقع بها الإعجاز، وهذا هو عين ولب القول بالصرفة.

أما من جمع بين القول بالصرفة والإعجاز البلاغي فهم متناقضون، لأنهم سلموا بالمقدمات وأنكروا النتيجة، وهذا لا يسلم لهم، ونقل عن الإمام أحمد تكفير من يقول أنه مقدور على مثل القرآن، بل هو معجز بذاته، وبهذا ترى ما للمعتقد من أثر في تلك المقولات.

ثانيا: ما يتعلق بثقافة النظام: فالذي ذكر في ترجمته أنه واسع الثقافة والإطلاع، وله مشاركة في عدد من العلوم، وهذا ترك أثر في منهجه العلمي، وكان عصره عصر ازدهار للعلوم على أنواعها، وعاصر عدد من علماء الشرع واللغة كالشافعي وأحمد والبخاري، وازدهرت كذلك علوم اليونان، وقد كان مولعا بالفلسفة واشتغاله بها دفعه للدوران حول المعاني وتقديما على التراكيب اللفظية، فهذا هو شأن الفلسفة، وكذلك عني بالعلوم التجريبية، وهي غالبا تتجه إلى اعتبار المضامين، واهتم كذلك بعلم الحديث، وكان يقدم العقل على النقل ويرد الأحاديث لمخالفتها للعقل، وكان يتهكم على علماء الحديث، ويتهمهم بمخالفة العقل، ومن العلوم التي ازدهرت في عصره البلاغة، فالصرفة تعد أصلا لنظرية النظم التي طورها فيما بعد الجرجاني.

ثالثا: ما مرده إلى الأفكار والمذاهب المخالفة: كان النظام ممن لهم مشاركة فاعلة في الجدل مع غير المسلمين، ومع الفرق المخالفة كذلك له، واتهمه الجاحظ بأنه ينساق مع الخواطر ويبني عليها أقواله، وهذا يعني أنه يستعجل في تبني الأفكار، ولو تأنى لرجع عنها، وكذلك اتهم بأنه ينتحل مذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت