أما الذين طهرت سريرتهم وخلصت نيتهم، فقد حبذوا خطتنا وشكروا لنا صراحتنا، وحمدوا لنا هذا الموقف الذي وقفناه ضد محاولات التجنيس الخائبة، ومحاولات هدم القومية واللغة والدين المجرمة [1]
لكن خصومنا، كما قلنا آنفا، أرادوا أن يفهموا من كلامنا أننا نريد الاستقلال ورأوا أنهم يحرجوننا إذا وضعوا البحث على بساط الاستقلال.
حتى إذا زل بنا القدم فوق هذا البساط الأملس استنزلوا علينا نقمة الحكومة وطلبوا أن نعامل معاملة الثائرين المهيجين، وأن نذهب (1) ضحية قوانين روني وما سبقها.
لكن خابت آمالهم، فنحن قوم لا نتأخر عن الخوض في مثل هذه الميادين، وأنهم لا يزعجوننا أن جرونا للبحث في مسألة الاستقلال.
إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا. وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة، ولسنا من الذين يدعون علم الغيب مع الله ويقولون أن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد.
فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أنها تزداد تقلبا مع التاريخ. وليس من العسير بل إنه من الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقي المادي والأدبي، وتتغير فيه السياسة الاستعمارية عامة والفرنسية خاصة، وتسلك فرنسا مع الجزائر مسلك إنكلترا مع أستراليا وكندا واتحاد جنوب إفريقيا، وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة إستقلالا واسعا، تعتمد عليها فرنسا إعتماد الحر على الحر.
هذا هو الاستقلال الذي نتصوره- لا الاستقلال الذي يتصوره خصومنا المجرمون، إستقلال النار والدماء- وهذا هو الاستقلال الذي نستطيع أن نحرز عليه مع الوقت، وبإعانة فرنسا وبإرادتها.
وإننا لا نخشاه ولا نخشى البحث فيه [2]