الصفحة 29 من 33

والدول المتمدينة في العصر الحديث أهدرت حرية الإنسان، وحطمت كرامته؛ لأنه يعترِضُ على رأي الزعيم مثلًا، مما لا يكون أي لون من ألوان المخالفات في الإسلام، الأمر الذي جعل إنسان العصر الحديث يلاقي من الأهوال ما لم يلقَه إنسان على مدى التاريخ؛ ذلك لأن الذي يُحدِّد العقوبة هو الإنسان الحاكم الذي يهمُّه أن يعملَ لمصلحتِه، وأن ينتقم لكرامته، والإنسان قد يكون في قلبه بغضٌ أو حقد أو استعلاء، فهو ليس مؤتمنًا في وضع العقوبات، والحاكم يستخدم كل أجهزة الدولة في سبيل مصلحته وفي المحافظة على ملكه، ومع هذا كله فهم يقولون: إن الإسلام أهدر كرامة الإنسان وآدميته حين قرَّر الحدود، مع أن الإنسان الذي ارتكب عقوبة تستوجب الحدَّ هو الذي أهان نفسَه وتعدَّى على غيره، وهم يتكلَّمون كثيرًا في الزنا، وفي قسوة عقوبته، والإسلام له رأيٌ في الزنا تظهرُ أهميتُه في الآثار التي ترتَّبت على الزنا في المجتمعات الغربية، فحطَّمت الفرد كما حطمت المجتمع، وإن كانوا لا يُقرُّون بهذا صراحةً، ولا يدخل الزنا في باب الحرية الشخصية؛ لأن فيه إضرارًا بغيره، واعتداءً على الأسرة الإسلامية المتماسكة، وهدمًا لكيانها، وهي في نظر الإسلام الخليةُ الأولى التي يتكوَّن منها المجتمع، وفيه إشاعة للرِّيبة في النساء والزوجات، وتشكُّك في الأنساب، وتضييع للأطفال، وهذه كلها أخطار تُصِيب المجتمع، يضاف إليها نشر العزوف عن الزواج، وانتشار الأمراض المختلفة، إلى غير ذلك من الأضرار التي نراها منتشرةً في المجتمعات التي تُبِيح هذه الانحرافات؛ لذلك كان من حق المجتمع الإسلامي أن يحميَ نفسه من هذه الأضرار التي يسبِّبها الزنا، مع أنها لذَّة وقتية كان يمكن للزاني أن يحصل عليها بالزواج، وإذا كان متزوجًا فإنه يحصل عليها من زوجه، وتعسر الزواج إن وجد لا يعتبر مبررًا للزنا، فهناك مآرب أخرى لطاقة النشاط الجسمي في العمل المستمر وفي الصيام، وما إلى ذلك.

والزنا برضا الطرفين لا يجعله مشروعًا في الإسلام؛ لأنه لا يزيل الأضرار المختلفة المترتبة عليه، والأعراض ليس فيها بذل كالأموال؛ لأن الآثار المترتِّبة عليها تُصِيب الأفراد والجماعات، ومن هنا كان الحدُّ حقًّا لله - عز وجل - لا حقَّ الأفراد.

ومن تمام صيانة الأعراض في الإسلام أنه حفِظها حتى من الحديث عنها بغير دليلٍ، ومن هنا كان القاذفُ الذي يتَّهِم غيرَه بالفاحشة بدون أن يستطيع إقامةَ الدليل يعتبرُ كاذبًا وقاذفًا، ويقام الدليل على كذبه بجلدِه علانيةً، فهو الذي أهدر كرامةَ نفسِه بتعريضها للجلد حين اتَّخذ هذا الأسلوب في اتهام الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت