الصفحة 12 من 33

يتحدَّث الدكتور الذهبي - رحمه الله - عن هذه الناحية، فيقول: إن الحدود تقام على مبدأين؛ المبدأ النفسي، والمبدأ الاجتماعي:

والمبدأ النفسي بحكم طبيعتِه مسرحٌ لصراع مستمرٍّ بين دوافع الخير ونزعات الشر فيه، وهو مُعوِّض لعوامل كثيرة قد تميل به إلى هذه الناحية أو تلك، فإذا ما كان متوازنًا - بأن تكون عوامل الخير فيه مسيطرةً، أو أن هناك عوامل مناهضة لعوامل الشر فيه - أمكنه أن يبتعد عن الانحراف، والحدودُ من العوامل التي تُحقِّق هذا التوازن، إلى جانب التربية السليمة، والبيئة الصالحة، والرغبة في ثواب الله، فعامل الرغبة وعامل الرهبة كلاهما يُؤثِّر على النفس إيجابًا أو سلبًا في ناحيتين مختلفتين، فإذا أهمَّ مسلمٌ بشرب الخمر مثلًا، فتماثل له ما أعده الله للمتقين، فينشط الوازع النفسي فيه، فيكف عن شرب الخمر، فإذا لم يُفِد هذا، فعامل الرهبة يؤدي إلى نفس النتيجة من طريق آخر، وهو الخوف من عقاب الله في الآخرة، أو من عقاب المجتمع في الدنيا، فهو يوازن بين ما ينال من لذة شرب الخمر وما يُصِيبه من عقاب بالحد عليه، وسوف يصرفه ذلك عن شربها، وهذا يثمر إذا كان العقاب رادعًا يزيد عن اللذَّة الوقتية، وإلا توافرت الجرأة على الاقتراف، وفي مجال الترغيب بالثواب يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107] ، وفي الترهيب بالعقاب يقولُ الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5] ، ولا يغني واحد منهما عن الآخر، ومن هنا كان اهتمامُ القرآن في مزجِه وربطِه الوثيقِ بين عنصرَي الترغيب والترهيب في كل الأحوال أمرًا أو نهيًا، ولأن المزج يُتِيحُ للنفس من عوامل التوازن والسيطرة على بواعثها ودوافعها ما تتمكَّن به من شحذِ إرادتها في مجال الاختيار والترجيح؛ ذلك لأن الدوافع التي تُحرِّك لارتكاب الذنوب الموجبة للحدِّ هي دوافع بالغة المدى من حيث تأثيرها في الغرائز والميول الفطرية الأولى، التي جاء الدين - وكل المقومات الفطرية - لتهيئتها في الإنسان، ودور الحدود دور بنائي يُسهِم في تكوين الفرد وتنشئتِه من جهةٍ، ودور وقائي يمنع الكثرة الغالبة من الأفراد من جرائم الحدود من جهة أخرى.

والمبدأ الثاني هو المبدأ الاجتماعي، فالحدود حق الله، ومعنى ذلك أنه لا يجوز للمتخاصمَينِ إسقاطه بالعفو أو التراخي، وإلى جانب هذا فللحد قدسيَّتُه وهَيْبته حين جعله الله تعالى حقًّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت