له، وجعل العدوان عليه عدوانًا على حمى الله، كما جعل تعظيمه تعظيمًا لأمر إلهي: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] ، هذه القدسية"حق الله"متى استقرَّت في نفس مؤمنة، كانت حاجزًا قويًّا يَحُول بين صاحبِه وبين الاقتراب منها، ثم إن العدوان الذي وقع وهو مُوجِب لحدٍّ من الحدود هو عدوانٌ على الجماعة كلها، وهذا واضحٌ في قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] ، ولعل ما يحدثُ الآن في المجتمعات الغربية من اجتراءٍ على القتل يشرحُ لنا هذه الآية شرحًا يُبيِّن لنا أبعادها، والخطورة التي تترتب على الاجتراء على القتل.
والخطاب في آيات الحدود مُوجَّه للجماعة، وهذا يوضح واجبَها في إقامة الحد والمحافظة على ذلك، فهي ليست منازعاتٍ شخصيةً، وليست حقوقًا شخصية خاصةً، إنها حق المجتمع، إنها حدود الله التي يجبُ على المجتمع الإسلامي إقامتها.
إن الحدود الإسلامية هدفُها حماية مُقوِّمات الوجود الإنساني، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعِرْض، والمال، وفي حماية الدِّين أوجب الله تعالى حد الردة، وفي حماية النفس أوجب حد القصاص، وفي حماية العقل أوجب حد الخمر، وفي حماية العِرْض أوجب حد الزنا وحد القذف، وفي حماية المال أوجب حد السرقة والحرابة.
الإسلام يعطي الحرية الكاملة لأي إنسان في أن يعتنق الإسلام أو لا يعتنقه، وقالها الإسلام صريحة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] ، ولكن الإنسان إذا دخل الإسلام فليس من حقِّه أن يرجع بعد ذلك؛ لأنه قد التزم بدخول الإسلام بالتزاماتٍ أمام الله تعالى وأمام المجتمع الذي يعيش فيه، وفي العصر الحديث الإنسان الذي يلتزم ويخل بالتزاماته أمام الدولة له عقوبات قد تصل إلى الإعدام، وفي الدول الملحدة المعاصرة يعتبر مَن يعود إلى دين كان عليه قبل ذلك - بل من يترك الحزب فقط - خائنًا للحزب رافضًا لفلسفته، وينال ألوانًا من التعذيب، وتوقع عليه عقوبات قد تصل إلى الإعدام، ومع ذلك فإن هذه الدول تُنكِر على مجتمع مؤمن يريد أن يُؤمِّن حقَّه في حماية نفسه من عبث العابثين المتلاعبين وخطر الخارجين عليه، هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى فالمرتدُّ قد قام بجريمة أخرى هي الاستهزاء