كما أن الظروف العامة إذا كانت غير كافيةٍ لإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع كفايتَه، فإن هذا يدخل في الباب السابق، ولذلك أوقف عمرُ حدَّ السرقة في عام المجاعة لاضطرار الناس إلى ذلك.
والمجتمعات الحديثة المتحضِّرة لا زالت تتخبَّط في تقنين العقوبة المناسبة للسرقة؛ ذلك لأن التشريع البشري يتأثَّر بأشياء كثيرة، أما التشريع الإلهي، فهو ثابت لا يتأثر بشيء، وقد اضطرَّ الاتحاد السوفييتي إلى تشديد عقوبة السرقة، فقرَّر إعدام السارق رميًا بالرصاص، وهي أقسى عقوبةٍ ممكنة، وقد ورد في الأهرام القاهرية عدد 14/ 8/ 1963 أن الاتحاد السوفييتي أعدم ثلاثةَ أشخاصٍ رميًا بالرصاصِ لاتِّهامهم بالسرقة، ومع ذلك فلم يتَّهِمه أحدٌ بالقسوة أو الوحشية.
والسجون التي تستخدمُها بعض الدول عقابًا للسارقينَ أصبحت مدارسَ يتعلَّم فيها الصغار أنواع السرقة، ويتبادل فيها الكبار خبراتِهم في هذا الميدان، وحتى الذين لم يدخلوا السجن بسبب هذه الجريمة فإنهم يتعلمونها عن طريق اختلاطهم بأصحاب هذه المهنة.
وقطع يد السارق يعني تعطيل أداة رئيسية من أدوات الجريمة، وتجريده من سلاح العدوان والمقاومة، إذا أضيف إليه ما يُحدِث قطعُها من تنبيه وتحذير، ومعنى السرقة الأخذ عن طريق الاستخفاء، والمال في حرز، وقدره عشرة دراهم أو ربع دينار، وإذا كان السارق يريد زيادة الكسب عن طريق حرام، فإن قطع اليد لازم؛ لأنه سيمنعه من ذلك.
الحرابة معناها الخروج على المارَّة لأخذ المال منهم مجاهرةً بالقوة، مما يؤدِّي إلى امتناع الناس عن المرور، وانقطاع الطريق، سواء ارتكب هذه الجريمةَ فردٌ أو جماعة بسلاح أو غيره، ويسمى مرتكب هذه الجريمة بالمحارِب، وتسمى الجريمة بالحرابة، والعقوبة المحدَّدة أن يقتل الجاني، أو يصلب إذا قتل وأخذ المال، والقتل بلا صلب إذا قتل ولم يأخذ المال، وقطع يد المحارب ورِجْله من خلافٍ إذا أخذ المال ولم يقتل، والنفي من الأرض إذا روَّع الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالًا، وهذه العقوبات مقررة في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33] .