والحرابة إنما تكونُ من الشواذِّ الذين لا يُبالون بالمجتمع، ولا يفكرون في عاقبةٍ، وهؤلاء المنحرفون لا يستحقون الرحمة.
يروي أنس رضي الله عنه أن رسول الله قدم عليه نفر من عُكْلٍ فأسلَموا واجْتَوَوا المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالِها وألبانِها، فأضحَوا وارتدُّوا وقتلوا، وكفَروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، ولذلك فقد فعل الرسول الكريم بهم ذلك بدون رحمةٍ، مع أن الله تعالى سماه الرؤوف الرحيم، وهو حدٌّ يغلب فيه الطابع الاجتماعي؛ لأنه يتصل بأمن الجماعة، وهيبة سلطانها وسلطاتها الشرعية، وأي تهاون أو تفريط يجرُّ إلى عواقب لا تقف عند حدٍّ.
وفي عصرنا في الحجاز كانت الدول تُرسِل مع رعاياها من الحجَّاج قوات مسلحة لردِّ الاعتداءِ عنهم من العصابات التي كانت تُهاجِمهم، ومع ذلك فإن هذه القوات لم تكن قادرةً في كثيرٍ من الأحيان على المحافظة على الأمن، مع أنها مشتركة مع القوات الحجازية، وكان الحجاج أو الرعايا من الحجازيين يُخطَفون ويُفتَك بهم، إلى أن طُبِّقت الحدود؛ فسادَ الأمنُ، بل وأصبح مضربَ الأمثال في العالم كله، وأصبحت الأموال تنتقلُ إلى السعودية من مصرفٍ إلى مصرف دون حراسة، وفي الدول الغربية تنتقل الأموال بسيارات مصفَّحة وحراسات ضخمة، ومع ذلك فهي لا تسلم من الهجوم عليها وسرقة ما فيها وقتل الحراس.
ومن الأشياء التي تُذكَر في هذا الصدد في البلاد المتحضرة ما روته الصحافة عن (ولاس ويرت) رجل الأعمال الأمريكي الذي له نشاطات تجارية في جميع أنحاء العالم، وهو لا يتحرك إلا ويحيط به رجال مسلَّحون لحمايته، ويتبعه رجال الحرس الخاص به في كل مكان يذهب إليه، وسائق سيارته يحمل سلاحًا، وقد تلقَّى تدريبًا خاصًّا حول وسائل الدفاع المختلفة، وكيفية المقاومة والمراوغة بالسيارة؛ هربًا من أي هجوم تتعرض له، وعند سفر"ويرت"إلى الخارج يزدادُ عدد الحراسة؛ حيث يسبِقُه بعضُهم إلى البلد الذي سيسافر إليه للتأكد ممَّن سيقومون بخدمته، ومن المكان الذي ينزل فيه، كما يقومون بوضع عدد من المدافع الرشاشة حول الفيلا، ومما هو جدير بالذكر أن"ويرت"وزوجه وابنه يُجِيدون استعمال هذه المدافع، فقد تلقَّوا تدريبًا مكثفًا عليها، واسم"ويرت"ليس هو الاسم الحقيقي، وهذه الإجراءات الأمنية رد فعل للتهديدات المتزايدة من بعض المنظمات الإرهابية السياسية ضد رجال الأعمال الأمريكيين.