الصفحة 28 من 33

وفي شهادة الزنا، لو شهِد ثلاثةٌ وتراجع الرابع، فإن حدَّ الزنا لا يقام على المتهم، بل يقام حد القذف على الشهود؛ لأنهم في هذه الحالة يعتبرون كاذبينَ.

وفي القوانين الحديثة قاعدةٌ تقول:"لأن يُفلِت مجرم من العقاب، خير من أن يدان بريء"، وهي تماثل القاعدة الفقهية: (لأن يخطئ الإمام في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة) ، ومعنى ذلك أن القاضي إذا تشكَّك في ارتكاب الجاني لجريمته، أو في انطباق النصِّ المبين للعقوبة على الفعل الذي أتاه، وجب تبرئة المتهم.

ثم إن في إقامة الحدِّ على المجرم في الإسلام مصلحةٌ مؤكدةٌ له؛ لأنها تخلِّصه من العقوبة في الآخرة، وفي معاقبته إذا أجرم تطهيرٌ له من الخطيئة في الدنيا؛ لأن عقابه يُوقِظ فيه معاني الإيمان الدفينة، وتحسسه بعظم تقصيرِه في جنب الله، مما أدى به إلى هذا العقاب، وهذا يجعله غالبًا يتوب إلى الله تعالى.

وتتميَّز الحدودُ الإسلامية في أن القانون يصلُ إلى كل إنسان في الدولة مهما كان مركزه، فلا ترتفِعُ المسؤولية الجنائية عن وزيرٍ أو رئيس دولة، ولا يملك رئيس الدولة حقَّ العفو لغيره أو لنفسه، والتاريخ يُحدِّثنا أن امرأةً مخزومية سرَقت فأهمَّ أمرُها المسلمين ووسَّطوا في شأنها أسامة بن زيد حِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضِب غضبًا شديدًا وصعِد المنبر وقال للمسلمين: (( إنما أهلك الذين من قبلِكم أنهم كانوا إذا سرَق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) )؛ رواه أحمد.

والقضاء في الإسلام جزءٌ من الولاية العامَّة التي يتولاَّها الخليفة بنفسه أو ينيب عنه مَن يتولَّى القضاء، ويُحدِّد له اختصاصاته، وفي تنفيذ الأحكام كان القاضي يتولَّى بنفسه تنفيذَ ما يُصدِره من أحكام، ومن الجدير بالذكر أن القاضي كان لا يحتاج إلى معونة في تنفيذ الأحكام؛ لأنهم كانوا يُنفِّذونها من تلقاءِ أنفسهم، والشريعة الإسلامية لم تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات.

وتمتاز العقوبات الإسلامية بأنها تجعل المسؤولية شخصيةً، على عكس بعض الأنظمة الحديثة، والقرآن الكريم يحدد ذلك في قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] .

ولعل هذا كلَّه هو الذي جعل مؤتمرَ مكافحة الجريمة المنعقدَ في جامعة دمشق عام 1972 يُقرِّر أن (التشريع الإسلامي هو أجدى تشريعٍ في مكافحة الجريمة) ، وأن المؤتمر يهيب بالدولة أن تقتربَ في تشريعاتها من التشريع الإسلامي لمكافحة الجريمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت