الصفحة 27 من 33

والحدود الإسلامية هي علاج حقيقي للمنحرف، حقيقة أنه عقاب قاسٍ، ولكنه عقاب لجرمٍ قاسٍ أيضًا، بعد أن أحاطه الإسلام بالضمانات الكافية في التربية الإسلامية التي تربط المسلم بالله تعالى، وفي التكافل الاجتماعي والعدالة الاجتماعية وما إلى ذلك، نعم هو عقاب قاسٍ، ولكنه ناجعٌ، وفي الوقت نفسه مفيدٌ للشخص نفسه، هو كبتر الجزء المريض من جسم الإنسان، فإنه مع قسوته الظاهرة هو الرحمة بعينها؛ لأنها ستبقي على الجسم كله سليمًا يؤدِّي رسالته في هذه الحياة، فالذي لا يصلح فيه كل هذا لا بد من بتره، فذلك خير له وللمجتمع، ثم إن المجرم حين لا يوقع عليه الحد فإنه سيتمادى في إجرامه، وسيقوم صراعٌ بينه وبين المجتمع وأجهزة الأمن، وسيصيبه من جرَّاء ذلك أضعاف الحد.

ومع هذا، فقد راعى الإسلامُ شخصيةَ المجرم، فأعفى غير المسؤول من العقاب؛ كالمجنون، والمضطر، وما إلى ذلك، وجعل المسؤولية تبدأ من البلوغ، والإسلام أيضًا راعى أحوال المجرم في عقوبة الزنا، فالزاني غير المحصن عقوبتُه الجلد، وقد سدَّ الإسلام بذلك أبوابًا كثيرة من الفساد الذي لم تستطِع المجتمعاتُ المعاصرة سدَّها أو إيقاف تيارها، فمع أن الدول الغربية تُبِيح الاتصال الجنسي من غير حدودٍ، ما دام ذلك يتمُّ برضا الطرفين، فإننا نلاحظ أن الاغتصاب، وهو الذي لا يتم برضا الطرفين، بل يتم عن طريق العنف، هذا الاغتصاب يُمثِّل في أمريكا إحدى الجرائم الثلاثة الكبرى التي تحدُثُ كل ثلاث ثوانٍ؛ وهي: القتل، وسرقة البنوك، والاغتصاب، وقد بلغ عدد الفتيات اللاتي اغتُصِبن في أمريكا خلال عام 1975 55 ألف فتاة أمريكية طبقًا للتقريرات الرسمية، ومع ذلك فإن التقريرات غيرَ الرسمية ترفعُ هذا العدد إلى ثلاثة أضعاف، وبعض المهتمِّين بهذه النواحي يُؤكِّدون أن العدد يصلُ إلى نصف مليون فتاة، علمًا بأن بعض الفتيات يُقتَلن بعد عملية الاغتصاب.

وفي عقوبة السرقةِ راعى الإسلام ظروفَ المتَّهم، فالسرقة العادية عقوبتها القطع، ولكنها في الحرابة قطع اليد والرِّجل.

ومع هذا كله، فإن الشك في الحدود الإسلامية يُفسَّر لصالح المتهم، وفي الحديث الشريف: (( ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ) )؛ رواه الترمذي، والحاكم، والبيهقي.

وعمر بن الخطاب يقول:"لأن أُعطِّل الحدود بالشبهات، أحبُّ إليَّ من أن أُقِيمَها بالشبهات".

ومنها شبهة المِلْكية في السرقة، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( أنت ومالك لأبيك ) )؛ رواه الطبراني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت