العطشِ، فنزل البئر وملأ خفَّه وسقاه، فغفر الله له بذلك، ومن ذلك ما يروى من أن رجلًا أضجع شاةً وهو يحدُّ شفرته، فقال عليه الصلاة والسلام: (( أتريد أن تميتَها مرتين؟! هلاَّ أحددت شفرتك قبل أن تضجعها! ) )؛ الطبراني، وقد نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يُتَّخذ شيءٌ فيه الروح غرضًا، ونحن في البلاد المتمدينة نرى صراع الدِّيَكة والثيران وما إلى ذلك.
وفي بني الإنسان نهى رسول الله عن الضرب في الوجه، وعن الوشم في الوجه، والكي؛ تكريمًا للإنسان؛ رواه مسلم.
وقد روى مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنتُ أضرِبُ غلامًا لي بالسوط، فسمعتُ صوتًا من خلفي: (( اعلَم أبا مسعود ) )، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (( اعلَم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ) )، فقلتُ: يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله تعالى، فقال: (( أما لو لم تفعَلْ، للفحَتْك النار ) )، فإذا كانت الرحمة تصلُ إلى هذه الدرجة لغير بني الإنسان وللإنسان، فكيف يُتَّهم الإسلام بالقسوة في حدوده؟
إن الحد في الإسلام يقام مرة ليحمي المجتمع من فقد الأمن، ومن القسوة التي يلقاها أفراد المجتمع بين أفراده وجماعاته؛ من انتشار الفوضى على ما نرى في المجتمعات الغربية في العصر الحديث، ومن هنا فقد حرَص الإسلام على تمكين الأثر المترتِّب عليه، سواء من الناحية النفسية أم من الناحية الاجتماعية، وقانون العقوبات حين يُوضَع إنما يُقصَد به أن يكون جزاءً على عمل الشر والإفساد، فلا بد وأن تكونَ العقوبة رادعةً، ولو قرَن الغربيُّون هذه العقوبة وتأثيرها بالجريمة وآثارها، لو استحضروا فعل السارق وهو يسير ليلًا ويُشهِر السلاح ويُروِّع الآمنين في بيوتهم، لو أنهم نظروا إلى هذه الأشياء وقارنوها بقطع يد السارق الآثمة، لغيَّروا رأيهم، ولعلموا أن هذا هو الجزاء العادل.
ويتهم الغربيون الحدودَ الإسلامية بأنها لا تراعي أحوال المجرم النفسية، وأن المجرم مريضٌ يحتاج إلى علاج لا إلى عقوبة، وهذا كلامٌ ليس له ضابطٌ، وليس من السهل تحديده، وقد جربوا ألوانًا من العلاج الذي يقولون به، فلم يُفِدْهم ذلك شيئًا، وازدادت الجرائم، ولا تزال تزداد في كل مجتمع من المجتمعات المتحضرة، والإسلام يرى أن هذه الأشياء لا تصلح مبررًا لارتكاب الجريمة، ولا يصح أن يُفلِتَ المجرم من العقاب.