وهكذا تحرِصُ التربية الإسلامية على طهارةِ المجتمع، وصيانته بالتربية المتكاملة، ثم يتمم ذلك القانونُ الإسلامي بإيجاد العقوبة التي تُسَاعِد على تحقيقِ هذه الطهارة، والمعترضون بعضهم يرى - من وجهة نظره - أنها ليست بجريمةٍ، وبعضُهم لا يرى هذه الخطورة، أو أنهم يرونها، ولكنهم لا يهتمون بها.
والحضارة الحديثة تحكمُ بالإعدام على جرائمَ قد تكون وهميةً، ومع ذلك فهم يقولون: إن قطع يد السارق وحشية قد انقضى عهدُها، فهي لا تليق بالفرد، وفيها إضرار بالمجتمع؛ لأنها تجعل المقطوع عاجزًا، وفي الحبس كفاية، والحبس لا يكفي، بل إنه ينشر أساليب الجرائم عن طريق مَن فيه كما بيَّنا، ثم إن وجود المقطوع عالةً على المجتمع خيرٌ من إبقائه سليمًا وهو يعيث في الأرض فسادًا.
والمدنية الحديثة ترى أن الإنسان حرٌّ في نفسه، ومن حرِّيته الشخصية أن يشربَ الخمر، فلا فرق بين شرب الخمر وشرب الماء، والإسلام يرى أن الإنسان ليس حرًّا في نفسه؛ لأن له رسالتَه في هذه الحياة، ولن يستطيع أن يؤدِّيَها كاملة إلا إذا كان سليم الجسم، سليم العقل، سليم النفس، ومَن الذي قال: إن الإنسان يعرفُ مصلحة نفسه؟ ونحن نرى أعدادًا من الناس يتصرَّفون تصرفات تعود عليهم بالضرر البالغ، ومن ذلك شرب الخمر الذي يضر بالجسم، ويضر بالعقل، ويقلل الإنتاج، وليس هذا فقط، بل إن الأضرار المختلفة ستنسحب على المجتمع من نواحٍ كثيرة.
والمدنيَّة الحديثة فيها ألوانٌ من التصرُّفات التي تدلُّ على عدم احترام الإنسان أو المحافظة على كرامته، ونحن نرى ونسمع عن الأجهزة المختلفة التي تقوم بالتجسُّس على الأفراد في بيوتهم، وفي محالِّ أعمالهم لترى مدى إخلاصهم للحزب أو للقائد، وترسل وراءه رجالًا في كل مكان يكتبون تقريرات عنه في ذلك، ولأدنى شبهة يُعذِّبونه بألوان من التعذيب النفسي والجسمي، وقد يبقى في المعتقل سنواتٍ يلاقي ما يلاقي، وقد يُقتَل أو يموت من التعذيب، وتتبعه أسرته وأصدقاؤه في ملاقاة المتاعب على أيدي رجال الحزب والمباحث والمخابرات، ومن هنا فإنه إذا كتم ردَّته فلا سبيل لأحد عليه، ولكن إذا أعلنها ففي ذلك تشجيع للمنافقين وتشكيك لضعاف العقيدة، وهذا يُؤدِّي إلى اضطرابِ المجتمع واهتزاز نظامه، ومن الواجب القضاءُ على جرثومة الفساد، ومع هذا فإن الإسلام يُعطِي المرتدَّ فرصةً للتوبة، ويُحبَس ثلاثة أيام، فإن تاب فبها ونعمت، وإلا وقعت عليه العقوبة وقُطِع دابره، وأصبح المجتمع سليمًا منه.