رَدُّ فَرعٍ إلَى أَصلٍ، أو تَشبيهُ غَيرِ جائِزٍ بِجائِزٍ، فَقَالَ:"اعلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ في الشِّعرِ ما لا يَجُوزُ فِي الكَلامِ مِن صَرفِ ما لا يَنصَرِفُ، يُشبِّهُونَهُ بِما يَنصَرِفُ مِن الأَسماءِ، وحَذفِ ما لا يُحذَفُ، يُشبِّهُونَهُ بِما قَد حُذِفَ واستُعمِلَ مَحذُوفًا" [1] .
وفي موضِعٍ ثانٍ يلجأُ إلَى الضرورة فَيُجري الشِّعرَ علَى الأَصلِ، فَقَالَ:"كما قالُوا حِينَ اضطرُّوا فِي الشِّعرِ فَأَجرَوهُ علَى الأَصلِ، قالَ الشَّاعِرُ الهُذَلِيُّ: (من الوافر) "
أَبِيْتُ علَى مَعَارِيَ واضِحاتٍ بِهِنَّ مُلَوَّبٌ كَدَمِ العِباطِ [2]
وقالَ الفَرزدقُ: (من الطويل)
فَلَو كانَ عبدُ اللهِ مَولَى هَجَوْتُهُ ... ولَكِنَّ عبدَ اللهِ مولَى مَوَالِيا [3]
فلمَّا اضطرُّوا إلى ذلك فِي مَوضِعٍ لا بُدَّ لَهُم فِيهِ مِن الحَرَكةِ أَخرجُوهُ علَى الأصلِ.
قالَ الشَّاعرُ بنُ قَيسٍ الرُّقِيّاتِ: (من المنسرح)
لا بارَكَ اللهُ فِي الغَوانِيِ هلْ ... يُصبِحْنَ إلَّا لَهُنَّ مُطَّلَبُ [4]
وقالَ وأنشدَنِي أعرابِيٌّ مِن بَنِي كُلَيبٍ، لِجرير: (من الطويل)
فَيَومًا يُوافِينِي الهَوى غَيرَ ماضِيٍ ويَومًا تَرَى مِنهُنَّ غُولًا تَغَوَّلُ [5]
وذَكَرَ أَبُو العبَّاسِ المُبَرِّد الضَّرورةَ فِي الشِّعرِ دُونَ النَّثرِ، ومَثَّلَ لهَا في الاثنِينِ مَعًا، فَقَالَ:"ولَوِ اضطَرَّ شَاعِرٌ فَحَذَفَ الفَاءَ، وهُوَ يُرِيدُها لَجازَ، كما قالَ: (من الطَّويل) "
(1) الكتاب: سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت 180 هـ) ، تحقيق: عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 4، 1425 هـ-2004 م، 1: 26.
(2) والشاهد فيه"معاري"أجراه في حال الجرِّ مجرى السالم. والصحيح: معارٍ بحذف الياء، لأنه اسمٌ منقوص، نكرة، ولكنَّه حذفها تجنبًا للزحاف.
(3) الكتاب 3: 313، والشاهد فيه إجراؤه"موالي"على الأصل للضرورة، وحقُّه حذف الألف.
(4) الكتاب 3: 314 .. والشاهد فيه: تحريك الياءِ من"الغواني وجعلها على الأصل ضرورة. وينظر المقتضب للمبرد 1:144. والخصائص 3: 159."
(5) ديوان جرير بن عطية: تحقيق: نعمان أمين طه، دار المعارف، القاهرة، 1976 م، ص 457.وينظر الكتاب 3: 314. والشاهد فيه: تحريك الياء في"ماضي"جرًَّا ضرورة.