واردًا، فإن الاستشهاد بكلامه على المنع من هذه المسألة غيرُ مسلَّم، والواجب حملُ مجمل كلامه على ما ذَكَره غيرُه من السلف مبيَّنًا [1] .
وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في تفسير هذا الحديث على أربعة أقوال:
القول الأول: أن المراد بالحديث هو اشتراط عقد في عقد؛ كأن يقول:"بعتُك بيتي بكذا، بشرط أن تبيعني متاعَك بكذا"، وبهذا فسرها الشافعي [2] ، وأحمد [3] على أحد التفسيرين المرويين عنهما في ذلك.
القول الثاني: أن المراد بالحديث بيع المؤجل على المدين بزيادة إلى أجل آخر.
وقد مثل له الخطابي في"معالم السنن"، حيث قال:"كأنه أسلفه دينارًا في قفيز بُرٍّ إلى شهر، فلما حلَّ الأجلُ وطالَبَه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك عليَّ بقفيزين إلى شهر، فهذا بيع ثانٍ قد دخل على البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيرد إلى أوكسهما، وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول، كانا مربيين"اهـ [4] .
القول الثالث: أن المراد بحديث النهي عن بيعتين في بيعة، بيعُ العِينة.
وصورته: أن يشتري سلعة بألف مؤجلة، ثم يبيعها على بائعها الأول بثمانمائة حالة.
وهذا هو ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم، قال ابن تيمية بعد ذكر أحاديث النهي عن بيعتين في بيعة:"وهذا كله في بيع العينة، وهو بيعتان في بيعة"اهـ.
وقال ابن القيم:"وقوله في الحديث المتقدم: «من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا» ، هو منزَّل على العينة بعينها؛ قاله شيخنا؛ لأنه بيعان في بيع واحد، فأوكسهما الثمن الحا وإن"
(1) «بحث بيع التقسيط» ؛ للدكتور إبراهيم فاضل دبو، ضمن أبحاث مجلة مجمع الفقه الدورة السادسة 1/ 229.
(2) انظر: «مختصر المزني» ص 88، «جماع العلم» ؛ للشافعي ص 92، «الأم» ؛ للشافعي 3/ 75 و 7/ 291، «الحاوي الكبير» ؛ للماوردي 5/ 320 و 341، «الوسيط» ؛ للغزالي 3/ 72، «الشرح الكبير» ؛ للرافعي 8/ 194، «المجموع للنووي» 9/ 323، «المحلى» 9/ 15.
(3) «الكافي» ؛ لابن قدامة 2/ 17، «المغني» 4/ 161، «الشرح الكبير» ؛ لابن قدامة 4/ 33، «المبدع» ؛ لابن مفلح 4/ 35، «الإنصاف» للمرداوي 4/ 350.
(4) «معالم السنن» ؛ للخطابي 5/ 98، وانظر: «النهاية» ؛ لابن الأثير 5/ 219، «المجموع» ؛ للنووي 9/ 320، «نيل الأوطار» ؛ للشوكاني 5/ 249.