حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا ) )، وفي لفظ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (( نهى عن بَيْعَتَيْنِ في بيعة ) ) [1] .
وعن سماك، عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه - رضي الله عنه -، قال: (( نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة ) )، قال: سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسأ كذا، وهو بنقد بكذا وكذا [2] .
ووجه الاستدلال:
أن الزِّيادة في ثَمَن السلعة مقابل التأجيل داخل في هذا الحديث؛ إذ إن سماك بن حرب راوي الحديث، قد فسر الحديث بذلك [3] .
الدليل الثالث: أن هذا القول مرويٌّ عنِ الصحابة - رضي الله عنهم:
حيث روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (( إذا استقمت بنقد وبعت بنقد، فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا، إنما ذلك ورق بورق ) ) [4] .
(1) أخرجه مالك في «الموطأ» ، باب: النَّهي عن بيعتين في بيعة، برقم 2663، وأخرجه أحمد في «المسند» ، برقم 2175، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، ذكر الزجر عن بيع الشيء بمئة دينار نسيئة وبتسعين دينارًا نقدًا، برقم 11347، وأخرجه النسائي في سننه، باب: النهي عن بيعتين في بيعة، برقم 444، والترمذي في سننه، باب: ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، برقم 1231، وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ، باب: باب النهي عن بيعتين في بيعة، برقم 5343.
قال الترمذي في السنن 3/ 533:"حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم"، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» 6/ 448:"هذا الحديث مسند متصل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث بن عمر، وحديث بن مسعود، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنهم -، وكلها صحاح من نقل العدول، وقد تلقّاها أهل العلم بالقبول، إلا أنهم اتسعوا في تخريج وجوه هذا الحديث على معانٍ كثيرة، وكل يتأوّل فيه على أصله ما يوافقه".
(2) أخرجه أحمد في «المسند» برقم 3783، وابن حبان في صحيحه 3332، وابن خزيمة في صحيحه 190، وابن أبي شيبة في «المصنف» 4307، والحديث أورده الزيلعي في «نصب الراية» 4/ 20، وسكت عنه، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» 6/ 497:"اختلف الحفاظ في سماع عبد الرحمن من أبيه، فقال يحيى بن معين في إحدى الروايتين: لم يسمع منه، وقال علي بن المديني والأكثرون: إنه سمع منه، وهي زيادة علم".
(3) «القول الفصل» ص 23.
(4) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» برقم 15028، قال ابن منظور:"قوم السلعة واستقامها: قدرها"؛ «لسان العرب» 12/ 500.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «غريب الحديث» 4/ 232:"قوله: إذا استقمت يعني قومت، وهذا كلام أهل مكة يقولون: استقمت المتاع يريدون: قومته، فمعنى الحديث أن يدفعَ الرجل إلى الرجل الثوب فيقومه بثلاثين ثم يقول: بعه بها فما زدت عليها فلك، فإن باعه بأكثر من ثلاثين بالنقد فهو جائز، ويأخذ ما زاد على الثلاثين، وإن باعه بالنسيئة بأكثر مما يبيعه بالنقد فالبيع مردود لا يجوز"، وانظر: «الفائق في غريب الحديث» ؛ للزمخشري 3/ 235، و «غريب الحديث» ؛ لابن الجوزي 1/ 27 و 2/ 271، و «النهاية في غريب الأثر» ؛ لابن الأثير 4/ 125.