الصفحة 9 من 19

أولًا: العقوبات الرادعة

بدأ الإسلام بفرض العقوبات المشددة لمنع الزنا والتحرشات الجنسية، فمن اللافت للنظر أن سورة النور في حربها على الفاحشة لم تبدأ ببيان فضل العفاف وذكر محاسنه والتنفير من ضده، بل ولم تخوف الزاني بعقاب الآخرة، ولكن بدأت ببيان عقوبات الزناة وخوض الألسنة في أعراض المحصنات والذين يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فقال تعالى في عقوبة الزناة: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كل واحد منهما مائة جلدة) ، مع المبالغة في التنكيل بهم (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) ، والتشهير بهم (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، ومنعهم من زواج أهل العفة (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ، وقال تعالى في عقوبة خوض اللسان في الفواحش وقذف المحصنات (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وقال الله في عقوبة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) 19 النور.

يقول الشيخ الدكتور عصام بن صالح العويد في مقال بعنوان (أسوار سورة النور) تعليقا على عقوبة الزنا في صدر سورة النور (فكان النور الأول لحماية المجتمع من شيوع زنى الفرج هو"المجتمع الطارد"لهذه الرذائل، فبدأ الله سورة النور بهذه الشدة لأنه العقاب الأقوى والأكثر ردعًا والأبقى أثرًا، فإن قيل: فأين التخويف بعذاب الآخرة بدلا من شدة العقوبة في الدنيا؟ فالجواب أنه قد جاء كثيرا في ثنايا السورة وفي غيرها، ولكن الفاحشة إذا فارت في القلب طغت على نور العقل، فقلما يردعها تذكر الآخرة إلا عند عباد الله المخلصين، بينما الخوف من الجلد والفضيحة والخوف من نبذ المجتمع ينزع الله به مالا ينزع بالقرآن) .7

ثم جعل الله حد الحرابة لمعاقبة كل من سولت له نفسه سفك الدماء وسلب الأموال وهتك الأعراض وإهلاك الحرث والنسل. يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس في مقال بعنوان (التحرُّش الجنسي من منظور إسلامي) ، مبينا كيف يعاقب المتحرش بحد الحرابة فيقول (و التحرش بالنساء يتضمّن إفسادًا في الأرض، بحسبانه متضمنًا قطع الطريق على المتحرَّش بها، أو إلجائها إلى الطريق الضيقة بغية النيل منها أو سماعها ما تكره، أو إجبارها على الرضوخ له بطريقة أو أخرى، وقد يتضمن إخافتها أو إرعابها لتحقيق مقصوده، وذلك يكوِّن جريمة حرابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت