ولماذا جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وعشرين سنة؟ ولماذا كانت الغزوات؟ ولماذا كان هذا الجهد والتعب؟ ولماذا كانت العبادات؟ ولماذا كان الثواب والعقاب؟ ولماذا كانت الجنة والنار؟
بهذه الأفكار الضالة، والاتجاهات الزائغة المنحرفة تضيع معالم الإسلام، وتشوه مبادئه عند المسلمين، ويجد أعداء الإسلام منها ثغرات يدخلون منها للطعن على الإسلام، وإظهاره بمظهر الدين المتخلف الذي لا يجدي في هذه الحياة فتيلًا.
هذا الذي ذكرته شيء قليل جدًا من الكثير الكثير، الذي حوته تلك الكتب الخبيثة التي يتفطر قلبي منها، ويذوب مما حملته من كفر صريح، الأمر الذي يجعل المسلمين في حيرة، ويؤكد أنهم في أمس الحاجة، وأشد التلهف إلى من يشرح لهم الإسلام، ويعرضه عليهم عرضًا سليمًا.
إن معظم العلماء سكتوا عن هذا الأمر، وأنا أتساءل: ما الذي يتملكهم هذا الخوف وهم يزعمون أنهم دعاة إلى دين الله؟ إن الله تعالى يصف دعاته المخلصين حقًا فيقول: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [سورة الأحزاب: 39] .
لماذا لا يخشى أولئك الصادقون الموحدون أحدًا إلا الله؟ لأن العقيدة الصحيحة استقرت في قلوبهم، فلم يندفعوا إلى أي عمل - ومن ذلك الدعوة إلى الله تبارك وتعالى - إلا بما يوافق شرع الله عز وجل.
ولما سكت معظم العلماء عن البدع والخرافات التي استشرى شررها، وانتشر فسادها بصورة خطيرة جدًا، وأصبح المسلمين في حالة يُرْثَى لها.
إن أعداء الإسلام ينتهزون مثل هذه الفرص، وكثيرًا ما انتهزوها - فركزوا جهودهم للاستيلاء على بلاد المسلمين، وتمزيق بلادهم، والتفريق بينهم، حتى جعلوا المسلمين - كما نرى - فرقًا تسير حسب أهوائهم، وتحرك حسب مصالحهم، فاستسلم المسلمون لواقعهم، فأصبحوا صورًا باهتة هزيلة لا كيان لها ولا أثر لها في ركب المجتمع العالمي.
ورغم هذا الهون الذي عم أغلبية المسلمين، فإن قلة منهم لا تزال في كل عصر تقوم على الحق مستمسكة به داعية إليه، هي التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى» . [أخرجه الإمام مسلم عن ثوبان] .