وإذا أردنا أن نؤسس مجتمعًا نظيفًا تسوده العدالة، وتحكمه الفضيلة، وتختفي منه الجريمة، وتظلله الطمأنينة، ويتعاون أفراده على كل ما فيه خيره وصلاحه ينبغي أن نؤسسه على عقيدة صحيحة، تكون هي الدعامة لذلك البناء، وليست العقيدة الصحيحة ضرورية لبناء المجتمع الفاضل فحسب، بل هي ضرورية كذلك لبقائه سليمًا قويًا مترابطًا، لا تفسده المغريات والفتن، ولا تفت في عضده العقبات والمعوقات.
والإسلام العظيم منهج رباني متكامل، تقوم شرائعه وأحكامه على العقيدة الصحيحة، وتدور كلها حولها، وترجع في مسيرتها إليها، ولا يمكن أن يستقيم منها تشريع أو حكم، إلا إذا كان مؤسسًا على العقيدة الصحيحة، فهي التي تعطيه صفة الإلزام، وتجعله واجب الطاعة والاحترام.
ولذلك - كما أسلفنا - كان الإيمان بالله وتوحيده أول ما دعا إليه الرسل، وأول ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكث ثلاثة عشر عامًا، لا هم له إلا تأسيس العقيدة والدعوة إليها، وتثبيتها في قلوب أصحابه، فلما هاجر إلى المدينة، ونزلت آيات التشريع والأحكام وجدت القلوب المؤمنة مستعدة لتقبلها والإذعان لها.
وعلى هذا الأساس ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتمعًا فاضلًا، وكون أمة إسلامية استطاعت بعد ذلك أن تسود العالم، وأن تجعل كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
إذا نظرنا إلى واقع المسلمين الآن، وجدنا أنه واقع مرّ أليم: ذلك أنّ حياة أغلب المسلمين إحدى صورتين:
إما حياة انحلال، وإما حياة بدع، وهذا يشمل الشذوذ الفكري، والخلقي، والعقائدي، والسلوكي:
1 -أما حياة الانحلال: فتبدو في كثير من المسلمين الذين يُحصَوْنَ زورًا ضمن المسلمين، ذلك أن هؤلاء يكتفون بأنهم مسلمون بالوراثة وبشهادات الميلاد. لقد جهلوا الإسلام فعادَوْهُ، والإنسان دائمًا عدو ما جهل، فانتهز أعداء الإسلام هذه الفرصة واستحوذوا عليهم وغَزوْهم غزوًا فكريًا مخططًا، فغلَّفُوا لهم مبادئ الإلحاد بغلاف رقيق براق - سرعان ما يكشفه المؤمن الموحد المتفرس - وزينوا هذا الغلاف