كان من الطبيعي أن تحدث ما سميت بالثورات العربية تغييرا عميقا في مرتكزات السياسة الخارجية القطرية الطامحة للعب دور مرکزي في تسيير شؤون المنطقة السابق الإشارة إليها في نهاية الفصل الأول من الدراسة)، لاسيما وأن إحدى هذه الثورات طالت أحد الأنظمة الكبيرة في المنطقة وهو النظام المصري، ولتبيان هذا التأثير من الضروري استعراض الموقف القطري من هذه الثورات العربية الإفريقية، وهو ما سنعرض له كالتالي:
أولا: الثورة في تونس:
بعد مضي أكثر من خمسين عاما على إعلان الجمهورية التونسية، الفترة التي تعاقب فيها على الحكم رئيسان فقط، ورغم إعلان الدولة عن القيام بإجراء العديد من التغيرات والتعديلات في الدستور والقوانين، فإنه كان مجرد إجراءات شكلية لم تحدث آثارا عميقة في إصلاح المشهد السياسي التونسي، بل العكس ساهمت في تكريس السلطة وحصرها في يد مجموعة محددة من المنتفعين تحت قيادة الرئيس التونسي"بن علي". وأصبحت الخريطة السياسية التونسية تعرف سيطرة الحزب الواحد فقط هو حزب"التجمع الدستوري الديمقراطي"الحاكم الذي يرأسه"بن علي"، وبات الوضع السياسي محتقنا بسبب الإقصاء الحكومي لأي قوة معارضة (1)
وفاقم من هذا ارتفاع نسبة البطالة ونسبة الفقر في المجتمع التونسي، فضلا عن تفشي مظاهر الفساد
والمحسوبية والرشوة في الأوساط المقربة من نظام بن علي ودوائره (2)
هذه العوامل عملت على زيادة حدة الاحتقان في الشارع التونسي وعدم الرضا عن دور الحكومة، فكانت حادثة انتحار الشاب"محمد بوعزيزي"17 ديسمبر 2010 التي هزت
(1) راغب السرجاني،"قصة تونس من البداية إلى ثورة 2011"، القاهرة: دار أقلام للنشر والتوزيع والترجمة، ط 1، 2011، ص ص 77 - 78
(2) تونس المعجزة -"معجزة لا تخفي العجز"، مقال منشور بتاريخ 2010/ 12/ 27، على موقع الجزيرة نت