التحليل الذي قدمه محمد جمال باروت في قراعته لخطاب بوش أمام الوقفية القومية الديموقراطية يؤدي بنا إلى التمسك بالفرضية التي بدأنا بها هذه الدراسة: وهي أن المستجدات علي الساحة الديموقراطية وساحة حقوق الإنسان في المنطقة العربية وارتباطها المتداخل مع ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب ليست وليدة أحداث سبتمبر سنة 2001 رغم فظاعة هذه الأحداث، بل هي امتداد تطبيقي متواصل لرؤية المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذين وصلوا إلى الحكم بوصول جماعة جورج بوش، وهي الجماعة ذات الأيديولوجية الرسالية ذات المسحة الدينية التي ترى أن رسالة أمريكا المكملة لانهيار الشيوعية هي تقويض النظم القومية في العالم ونشر المفهوم الأمريكي عن الديموقراطية والحرية. ولا يهم بعد ذلك، بل قد يكون لازما ومشروعا، أن تنشر هذه الرسالة بالقوة المسلحة حينما لا يوجد بديل آخر. ويصفي خطاب بوش حساباته مع التصورات القومية والاشتراكية التي سادت في المنطقة العربية ويعلن نهاية عصر الدولة القومية التي اعتمدت نمط التخطيط المركزي الشامل التحقيق"القوة القومية في المنطقة العربية، ويشير الخطاب تحديدا إلى كل من سوريا والعراق."
ويجد خطاب بوش مرجعيته في الأيديولوجيا المحافظة الجديدة، التي ترى أن إستراتيجية الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان قد دشنت تحول التاريخ من الشيوعية إلى الديموقراطية، بإعلان شن حرب لا هوادة فيها ضد منظومة"إمبراطورية الشر"السوفيتية في أوروبا الشرقية والعالم الثالث. ولعل هذا ما يفسر أن الخطاب يبدأ بالعودة إلى خطاب وستمنستر الذي ألقاه ريجان في شهر حزيران/ ريونيو 1982، ويحتفى به من منظور أنه أعلن أن نقطة التحول في التاريخ قد حلت. ومن هنا يضع الخطاب عملية احتلال العراق في سباق الثورة العالمية الديموقراطية"التي دشنها ريجان، ويرى أن"تأسيس عراق حر في صميم الشرق الأوسط حدث مفصلي بارز"في تلك الثورة. (*) وهكذا يحل لنا الرئيس الأمريكى اللغز الذي وقف كثير من المفكرين العرب أمامه طويلا: كيف يمكن أن يكون الاحتلال العسكري وسيلة لنشر"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نفس المرجع.