فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 356

الدعم المعنوي بطريقة غير مباشرة للنظم الاستبدادية ما دامت هذه النظم ترفع رايات حماية التراب الوطني وتزود عن استقلاله. لقد فات الغزاة باسم الديموقراطية أن الخبرة التاريخية لشعوب المنطقة تضع نضالها في سبيل التحرر من الاستعمار في موضع الأولوية والصدارة الذي يسبق أي نضال أخر ولو كان نضالا من أجل الديموقراطية. أما الديموقراطيون الوطنيون الذين دافعوا بدأب عن الديموقراطية ووقفوا في الماضي والحاضر معارضين لكل مظاهر الاستبداد قبل أن تتردد في الأفق دعاوى الديموقراطية بالتدخل العسكري، فقد اختاروا أن يقفوا ضد الاحتلال وضد الاستبداد معا، ودفع بعضهم ثمنا مزدوجا مرة لمناهضتهم للاستبداد وأخرى المناهضتهم للاحتلال.

ومع ذلك فقد كانت ردود فعل الأنظمة العربية تجاه هذا التهديد الديموقراطي ردودا تتسم بالحذر والخوف والتردد بين الإقدام والإحجام. وارتأى بعضها أن يتوقف عند الشكل الديموقراطي دون أن يكسب هذا الشكل مضمونا حقيقيا حتى الآن. فأنشأت مجالس الشورى في بعض الدول دون أن يكون لها حتى الآن في أمر الشورى ناقة ولا جمل، وأعلن عن حوارات تجريها الحكومة وأحزابها مع مختلف الفصائل السياسية، وأعلنت بعض الدول التي لم تكن فكرة الانتخاب واردة في قاموسها السياسي عن عزمها إجراء انتخابات ولو على مستوى المحليات، ولكن صميم وجوهر الديموقراطية المتمثل في التداول الحقيقي للسلطة والمحاسبة والشفافية واقتران السلطة بالمسئولية هذا المضمون لم يقترب منه أحد حتى الآن.

والواقع أن هذا التبشير الديموقراطي ذي الطابع الرسالي الذي يطغى على الخطاب السياسي الأمريكي الآن يصعب على شعوب المنطقة بل وعلى المحلل الموضوعي أن يأخذه مأخذ الجد، وهو على أحسن الفروض نوع من التبرير الأيديولوجي لقهر الشعوب وسلب ثرواتها مشابه لحديث تاريخي سابق عن وظيفة الاستعمار في نشر الحضارة بين الشعوب المتخلفة، أو دعاوى الغزاة مثل الإسكندر الأكبر ونابليون في الدفاع عن أركان الدين. وتحليل الخطاب الأخير للرئيس بوش على المستوى الإستراتيجي لابد من أن ينتهي بنا إلى هذه النتيجة (*) . إن مطالعة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) محمد جمال باروت، خطاب بوش بين القراءات الوظيفية والإستراتيجية والنصية، بحث غيرمنشور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت