فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 356

وهذا طبيعي، فرغم كل ما يؤخذ على أفكار الاشتراكية العلمية من مضامين إلحادية ومن طبيعة شمولية مصادرة للحريات فإنه مما لا شك فيه أن غياب مشروع العدل الاجتماعي الذي كان يناصر نزوع الشعوب إلى التحرر قد أصاب العنصرية وهي أقبح عورات الرأسمالية الحديثة بجنون النصر وسكرة التفوق. وهكذا ترعرعت العنصرية اليمينية (العادية حتى النخاع العرب والمسلمين والمهاجرين الأجانب) في فرنسا على يد لوبان وفي ألمانيا والنمسا ممثلة في الانتصارات غير المتوقعة للنازية الجديدة في المعارك الانتخابية، وفي روسيا في ظهور جماعات فاشية عنصرية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية في اكتساب أفكار المسيحية الأصولية الصهيونية قوة جديدة مكنت أنصارها في النهاية من الوصول إلى الحكم مع بوش الابن وجماعته، وتلك الظاهرة الأخيرة هي موضوع التحليل القانوني لهذا الكتاب.

تواكب مع ذلك انتشار أفكار حول النصر النهائي للنموذج الليبرالي الرأسمالي، فتحدث فوکوياما عن نهاية التاريخ باعتبار أن الأمر قد استقر نهائيا في محطة التاريخ النهائية عند نمط التنظيم الاجتماعي الرأسمالي الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن صمويل هنتنجتون مع تسليمه بانتصار الرأسمالية لم يسلم بأن للتاريخ نهاية بل طور ما ردده نيکسون ووضعه في سياقه النظري في الحديث عن صدام الحضارات كشكل جديد من الصراع حل محل صراع الأيديولوجيات، وتنبأ بأن هذا الصدام قادم لا محالة بين الحضارات الإسلامية والغربية والكنفوشسية. وبدا أننا أمام نوع من قراءة الحاضر تصل إلى حد التنجيم، أم أن الأمور كانت تدفع دفعا بواسطة المعبرين عن الخطاب الغربي لتسير في هذا الاتجاه؟ هذه القدرة على التنبؤ عند صمويل هنتنجتون يجب ألا تدهشنا، فهي لا ترصد الواقع بقدر ما تفضح الإستراتيجية المختزنة في العقل الجمعي الأمريكي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وهذا ما عبرت عنه بوضوح شديد الدكتورة ليلى شرف في مداخلتها في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية عن"التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وانعكاساتها العربية"عندما لاحظت على أطروحة هنتنجتون أنها تحمل وجهين: الأول، أنها تجد منطلقاتها من الوجدان الجمعي للمجتمع الأمريكي .. أما الوجه الثاني فيبدو وكأن هذه الأطروحة هي أسس نظرية ولكنها عملية أيضا لإستراتيجية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت