وسائل هذا التضليل وهذا الخداع كالسرية والكتمان والتخفي عن العيون، والسير ليلا والاختفاء نهارا، والسرعة في شن الغارات وعدم البقاء طويلا في أرض العدو، وتغيير الطرق والسير في طرق غير معهودة أو متوقعة للعدو
استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يتفادى عيون قريش والإفلات من رقابتهم، في بيعة العقبة الثانية، حيث التقى بزعماء الأنصار في زحام الموسم، وواعدهم على اللقاء في امني، وسط أيام التشريق، إذا هدأت الرجل، على أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من مني أسفل العقبة، وأمرهم ألا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا، فخرج القوم بعد الهداة يتسللون الرجل والرجلان، وقد سبقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، ليس معه أحد غيره، فاجتمع بالأنصار وبايعهم دون أن تعلم به قريش ولا عيونها (1) .
ومن أجل التخفي عن عيون العدو كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يوصي سراياه بأنهم يكمنون النهار ويسيرون الليل، وحدث ذلك في أغلب السرايا، مثل سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وسرية شجاع بن وهب إلى هوازن، وسرية محمد بن مسلمة الأنصاري إلى بني بكر ابن کلاب، وسرية كعب بن عمير إلى ذات أطلاح، وكذلك بعض الغزوات تم فيها التخفي على العدو مثل غزوة دومة الجندل التي سار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه، ومعهم دليل من بني عذرة فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار (2)
كما أوص النبي صلى الله عليه وسلم قادته بذلك، فقال لزيد بن حارثة عندما أرسله إلى بني بدر في السنة السادسة من الهجرة: أكمنوا النهار وسيروا الليل، وقال لأبي قتادة الأنصاري عندما أرسله إلى غطفان بأرض نجد: سيروا الليل وأكمنوا النهار، (3)
ومن وسائل تفادي العيون والتخفي عنهم كان لا يوصي أصحابه بإسراع السير
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن سعد، الطبقات الکبري 171/ 1 - 172.
(2) الواقدي، کتاب المغازي 03/ 1
(3) الواقدي، کتاب المغازي 2/ 099، 778.