المتحدة - وعلى عكس ما تصورها كتب التاريخ قوة ثورية لا تحافظ على الأوضاع القائمة، بل توسع باستمرار من دائرة مشاركتها وتأثيرها في الشئون العالمية، فالنزعة الأمريكية للتدخل العسكري في شئون الآخرين ليست ظاهرة حديثة، أو انحراقا عن الروح القومية، بل إنها متجذرة في الدي إن أيه الأمريكي.
وبناء على ما سبق، يبدو أن الأمريكيين قد حسموا الجدل الدائر في أروقتهم السياسية والفكرية حول أولوية المثالية على الواقعية في السياسة الخارجية لبلادهم. فبعد عقود من الحروب والتدخلات العسكرية الخارجية المباشرة وغير المباشرة، بغية حماية المصالح الاستراتيجية، وترسيخ دعائم الهيمنة الأمريكية، اصبحت القوة العسكرية في المقدمة وليس الأخلاق والقيم، وكان الواقع التطبيقي في بقاع شتى من العالم أبرزها بلدان كافغانستان، فلسطين، لبنان والعراق وسواها هو الجواب السملي على تساؤل طرحه المستشار السابق للرئاسة الأمريكية داويجن روستوفه عما يجب أن يصبغ معالم السياسة الأمريكية عالميا والقوة أم الأخلاق، الواقعية أم المثالية، حماية المصالح أم نشر القيم، والأفكار التحررية أم المحافظة. (19)
وبالتزامن مع التوسع الأمريكي الذي نعي سياسة العزلة، كانت المسوغات الفكرية والسياسية لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية حول العالم لا تتدخر وسقا في تعبئة العملاق الأمريكي نحو التقدم من أجل تصدر قمة العالم والهيمنة عليه من خلال القوة العسكرية، ففي العام 1941 م أصدر هنري لوس في مجلة الحياة الأمريكية بيانه العام الشهير المسمى القرن الأمريكي العظيم، الذي يناشد فيه الأمريكيين قيادة وشعبا بتجشم معاناة حروب أكبر من الحروب الكونية الأولى والثانية من أجل تبوء المكانة التي تليق بهم، واعتلاء قمة النظام الدولي، والهيمنة على العالم الإعلان الإمبراطورية الأمريكية، وتدشين القرن الأمريكي العظيم، وبدورها، تلقفت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان هذا النداء، وشرعت في ارساء أولى دعائم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(16) المصدر السابق