الصفحة 24 من 64

ثانيا: السياق الحضاري لاستخدامات القوة العسكرية

يمكن القول إن القوة العسكرية كأداة من أدوات السياسة الخارجية لأية دولة، كانت دائما نتاجا وتخريجا لتفاعلات منبثقة عن نسق حضاري معين في هذه الدولة أو تلك. ففي الغرب على سبيل المثال، كان استخدام القوة العسكرية في دولة الكبرى الطامحة للتوسع قد مال في معظمه باتجاه الغلو في استخدام تلك القوة لأغراض الهيمنة على العالم واستنزاف طاقاته والاستحواذ على موارده، حتى لم تتورع حكومات الدول الاستعمارية والتوسعية الغربية عن التشكيل بشعوب الدول التي استخدمت القوة ضدها، والتهام مواردها، وفرض الهيمنة عليها، وكسر إرادة شعوبها، إلى الحد الذي سؤغ للولايات المتحدة استخدام السلاح النووي للمرة الأولى والوحيدة في التاريخ حتى الآن؛ حيث كان النزوع نحو العنف واستخدام القوة العسكرية لحسم الصراعات، وتحقيق الغابات التوسعية، هو ما يميز السياسة الأمريكية بشقيها الداخلي والخارجي منذ بواكير التجرية الأمريكية الحديثة على نحو ما سوف يتم التعرض له لاحقا

على النقيض من ذلك، يجد النموذج الإسلامي تجربة فريدة في التعاطي مع القوة البلوغ الغابات والأهداف. إذ يمكن القول: إن القوة لم تكن هي المحرك لسياسات وسلوكيات المسلمين الأوائل حيال غيرهم، مثلما هو الحال اليوم مع المحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن، وإنما كانوا هم الذين يضعونها في موضعها الصحيح، فلا تستحثهم على العدوان، أو تدفعهم لاستعراضها على الضعفاء وإرهاب الأقوياء

ويمكن رصد أبرز ملامح التفرد الإسلامي في التعاطي مع ظاهرة القوة على النحو التالي

أولا: إنه على الرغم من إدراك المسلمين الأوائل لأهمية القوة العسكرية لأية دولة لها مصالح إقليمية وأهداف عالمية، إلا أن مكانة القوة العسكرية في الدولة الإسلامية لم تكن في صدارة آلياتها، التي اعتمدت عليها لبلوغ غاياتها وأهدافها المتمثلة في نشر الإسلام، وردع المعتدين، وإقامة العدل في الأرض، وبالتالي لم تتفنن الدولة الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت