كثيرة هي الكتابات التي تعرضت لمفهوم القوة، وأهميتها في إدارة وحسم الصراعات؛ باعتبارها إحدى آليات السياسة الخارجية للدول، وأبرز أدوات تحقيق الغابات والأهداف التي تتوخاها الدول من تلك السياسة. ولقد حفل التاريخ البشري بأحداث ومظاهر عديدة، پرزت من خلالها أهمية القوة عموما، والعسكرية منها على وجه التحديد، في تغيير موازين القوى بين الدول، وحسم المعارك والنزاعات فهما
بينها.
وبدوره، أعلى علم العلاقات الدولية من مكانة القوة العسكرية، وأهميتها بالنسبة للدولة، على نعوما بدا جليا في أفكار وأطروحات المدرسة الواقعية. بيد أن مدارس أخرى كالمثالية والقيم قد أولست قدرا كبيرا من الاعتبار لصور أخرى للقوة: كالقوة الاقتصادية والقوة الناعمة المتمثلة في الثقافة والدبلوماسية
من جهة أخرى، منت القوة العسكرية بإخفاقات عديدة في مواضع شتى؛ بحيث بدت خلالها عاجزة عن حسم الصراعات، أو تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول، أو صيانة مكانة الدولة على سلم القوى العالمي، وكثيرة هي المواقف التي يذكرها التاريخ البشري في هذا الصدد لقوى عظمى وإمبراطوريات
كبيرة، الأمر الذي أفضى إلى طرح تساؤلات عديدة حول إمكانية الاعتماد على القوة العسكرية وحدها كالية وحيدة فعالة لتحقيق الأهداف، وبلوغ الغابات على طول الخط، لاسيما بعد أن ظهرت تأثيرات أكثر فاعلية لصور القوة الأخرى كالثقافية والاقتصادية، أو حتى بروز اشكال مغايرة للقوة العسكرية ذاتها بمستويات أدني كحروب العصابات والعمليات العسكرية المحدودة التي تقوم بها الجماعات المسلحة، وتستطيع من خلالها إلحاق خسائر فادحة بالجيوش النظامية للقوى الكبرى، بل ونزل بها هزائم موجعة.
وفي محاولة منها لسبر أغوار تلك القضايا والتساؤلات من خلال استعراض تجارب تاريخية مختلفة، خلصت الدراسة إلى أن القوة العسكرية نظل فاعلة ومؤثرة في تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول وحسم المعارك، لكنها تبقى في حاجة إلى صور القوة الأخرى كالثقافية والاقتصادية حتى يكتمل نجاح القوة العسكرية، فالقوة العسكرية تستطيع بكفاءة حسم المعارك، لكنها قد تحتاج إلى مساعدة صور القوة الأخرى في مراحل لاحقة لحسم الصراعات التي تتضمن معارك عديدة تأتي على صور شتي
بعبارة أخرى، تبقى صور القوة الأخرى وسائل مكملة للقوة العسكرية، تلجأ إليها الدولة لإتمام النجاحات أو الإنجازات التي بمقدور القوة العسكرية تحقيقها، خصوصا وأن القوة العسكرية تستطيع التحرك، والعمل بفاعلية في مواضع وميادين بعينها، لكنها تبدو عاجزة عن التدخل، وتحقيق النجاحات المرجوة بنفس القدر من الكفاءة في ميادين ومجالات أخرى، ربما تكون ساحات مثالية تضطلع فيها القوة الاقتصادية أو الثقافية بدور أكثر فاعلية.