الصفحة 52 من 64

رابعا: القوة العسكرية في الاستراتيجية الأمريكية

يمكن القول: إن النزوع المستمر نحو استخدام القوة العسكرية قد علق بالشخصية الأمريكية منذ حقبة ما قبل الاستقلال وتأسيس الدولة الأمريكية في القرن التاسع عشر، فلئن دخلت حرب الاستقلال الأمريكية كتب التاريخ بصياغتها الغربية، التي تعتبرها مع الثورة الفرنسية حاضنة لمنظومة الحقوق والحريات الإنسانية الحديثة؛ فقد دخلت التاريخ أيضا؛ باعتبارها من أشد الحروب دموية، وكانت في الوقت ذاته بمثابة حجر الأساس لانتشار الحضارة الغربية الحديثة التي عرفت عند أهلها بحضارة الإنسان الأبيض، مما يعطيها - داخل حدودها وحيثما انتشرت خارجها- بعدا عنصريا واضحا للعيان، على الصعيدين النظري والتطبيقي. فمنذ نشأة الدولة الأمريكية نفسها، تابع الأمريكيون ما سبق تأسيسها من إبادة منظمة للهنود الحمر، في حدث تاريخي لم يسبق له مثيل أبيد خلاله ملايين الهنود الحمر، كما أن وصول عدد الولايات الأمريكية إلى 51 ولاية قد اقترن هو الآخر بالحروب والإفراط في استخدام القوة العسكرية حتى اكتملت السيطرة على أمريكا الشمالية، فقد كان المستعمرون البريطانيون مشغولين بطرد السكان الأصليين من ملايين الأفدنة، بل ومن الوجود نفسه في كثير من الأحيان.

وبعد إعلان الاستقلال الأمريكي، أضحى الاستخدام المفرط للقوة العسكرية سمة اساسية للسياسة الخارجية التوسعية للولايات المتحدة، فقد توسع الأمريكيون بعد ذلك في الفترة من 1740 إلى 1820 م بلا توقف باتجاه الغرب حتى وادي أوهايو، وتخطوا جبال روكي حتى المحيط الباسيفيكي، وباتجاه الجنوب في فلوريدا ومكسيكو، وشمالا باتجاه كندا، ولم يكونوا في هذه الأثناء يطردون فقط الهنود الحمر، الذين ابادوا منهم الملايين، وإنما يطردون الإمبراطوريات الكبرى كالفرنسية، والأسبانية والروسية، وسرعان ما بدأت على الفور مسيرة استخدام القوة العسكرية تطلق خارج حدود الدولة الأمريكية، وكانت البداية من دول أمريكا الوسطى والجنوبية، حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت