الصفحة 50 من 64

العسكرية لمقاتلي حرب العصابات، إلا أنهم يملكون عادة مبينا ضخما من الإرادة على القتال والإصرار على تحقيق النصر، غير أن الدول العظمى قلما تتعلم من أخطائها قبل أن تفكر في الاعتداء؛ وذلك لأن القوة العسكرية الباطشة والمتفوقة غالبا ما تمنح أصحابها إحسانا عاما بالتفوق والمتعة ضد الهزيمة، كما تدفعهم نحو احتقار الآخرين والتهوين من شأنهم، ومما بحوزتهم من ركائز فوة معنوية

إن تبلور حدود القوة العسكرية أدى في معظم الأحيان إلى تراجع نفوذ ومصداقية الدولة التي تعتمد القوة أساسا لسياستها الخارجية على الساحة الدولية. ولقد تبع ذلك اتجاهها نحو التقوقع وتبني سياسة دفاعية فتحت المجال لظهور قوي دولية وإقليمية أخرى منافسة ذات قدرات وارادات على تحدي القوة العظمى، والحد من أطماعها التوسعية، بل والنيل من أمنها واستقرارها، وشعورها بالأمان والمنعة، وذلك على غرار ما فعله تنظيم القاعدة في الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م.

ورغم أن تلك الحادثة قد سؤغت للمحافظين الجدد في إدارة بوش الأبن شن حروبهم العدوانية ضد ما أسموه بالإرهاب، إلا أن إخفاق تلك الحروب وما تمخضت عنه من ويلات، قد دفع ببعض المفكرين والساسة المعتدلين في واشنطن إلى إعادة النظر في سياسة القوة العسكرية الباطشة كآلية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية،

في محاولة منهم لتلافي التداعيات المؤلمة لتلك السياسة. وبمرور الوقت، بدأت الإدارة الأمريكية تصفي لمخرجات المراجعات الفكرية والجدالات الاستراتيجية التي دارت رحاها داخل الدوائر الفكرية والاستراتيجية الأمريكية

ومن ثم يمكن القول: إن الفشل العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق قد أفضى إلى تفجر جدل حامي الوطيس داخل الولايات المتحدة من أجل تخفيف وطأة الاعتماد على الوسائل العسكرية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية واستبدالها بوسائل ناعمة تكون أقل تكلفة، وأكثر فاعلية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، كما تساعد بالطبع على تقليص حجم التشوه الذي لحق بصورة الولايات المتحدة أمام العالم. (14)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(14) المصدر السابق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت