بقدر ما أسهمت القوة العسكرية في بلوغ الدول الكبرى لغاياتها الاستراتيجية، فقد أبرز التاريخ البشري نماذج عديدة لفشل القوة العسكرية وحدها في بلوغ الغايات والتطلعات الاستراتيجية للقوى الكبرى، حيث تجلت أول إشارة حقيقية في هذا الخصوص حينما أخفقت واشنطن في فرض سيطرتها على فيتنام خلال سني الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بعد حرب عنيفة استخدمت فيها كل ما كان لديها من عتاد عسكري وإرادة في القتل والدمار، ما عدا القوة النووية. (1)
وعلى الرغم من هزيمة أمريكا في فيتام، وانكشاف تراجع فاعلية القوة العسكرية، إلا أن الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل القوة العظمى الأخرى في ذلك الوقت، لم يتعظ من التجربة الأمريكية، وقام بتكرارها حتى مني بنتائج على نفس الدرجة من السوء في ثمانينيات القرن الماضي في أفغانستان، حينما خاض حربا عدوانية هناك عام 1979 م، لكنه فشل في كسر إرادة المجاهدين الأفغان برغم فارق القوة الشاسع لمصلحة القوات السوفييتية، ما اضطرها إلى الرحيل مثقلة بالخزي والانهزام. وكذلك، خرجت روسيا من الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبحوزتها ترسانة عسكرية ونووية كبيرة وإمكانات تكنولوجية وعلمية وبشرية عظيمة، إلا أن تفكك المجتمع السوفييتي من الداخل بعد أن تم توحيده بالحديد والنار على أيدي جوزيف ستالين، وظهور النزعات الاستقلالية وانفجار الصراعات الإثنية في ربوعه وتوقف الاقتصاد الوطني عن النمو، قد سلب الدولة الروسية الجزء الأكبر من قدراتها العسكرية وإرادتها على القتال، وبالتالي لم تعنها ترسانتها العسكرية الهائلة على استعادة مكانتها العالمية البائدة. (10)
وفي العام 2001 م، وبالرغم من تجربة فيتام المريرة، ومن بعدها الصومال مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تتورع الولايات المتحدة عن غزو أفغانستان، ثم العراق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إبراهيم غرابية، الضعف والقوة: رزية ودليل عمل وتفكير، موقع الإسلام اليوم، 2001/ 11 / 22 م
(10) د. محمد عبد العزيز ربيع، القوة العسكرية ومستقبل الإمبراطورية، جريدة الدستور الأردنية، 2007/ 1 / 1 م