الصفحة 36 من 64

تعد تلك المسيحية الشرقية، التي اختلطت بالغش والزيف، وتمزقت بفعل الانقسامات الداخلية، وتزعزعت قواعدها الأساسية، واستولى على رجالها اليأس والقنوط، من مثل هذه الريب، لم تعد المسيحية بعد ذلك قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد.

وقد يكون من الصحيح أن المسلمين فتحوا البلاد بقوة جيوشهم وروحهم المعنوية، ولكن ليس من الصحيح أبدا أن المسلمين فتحوا القلوب بالقوة أيضا؛ لأن هذا من المخالات، بل فتحوا هذه القلوب بمبادئهم السمعة العادلة التي سبقتهم إلى قلوب الشعوب فرحبت بهم، وسهلت لهم شيئا من عناء الفتح، ثم أقبلت على الإسلام. وسر ذلك أن هذا الدين بعقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته- تتوافر فيه عناصر جذب عديدة، أهمها: موافقة الفطرة، ملائمة العقل، تزكية النفس، سمو الروح، صحة الجسم، تماسك الأسرة، ترابط المجتمع، تحقيق العدل، جلب المصالح، درء المفاسد، إشاعة الخيرات، ومكافحة الشرور بقدر الإمكان. وأبرز ما في هذا الدين سهولة عقائده، التي ليس فيها غموض ولا التواء ولا تناقض، ومن ثم تقبلها الفطرة السليمة، ويسلم لها العقل المستقيم. (5)

وإذا كان المسلمون الأوائل قد تسيدوا الأرض بقوة إيمانهم وتمسكهم بمبادئ دينهم، وتوحدهم في مواجهة عدوهم، وأخذهم بأسباب القوة المشروعة، المادية منها والمعنوية، فإن الأمر الآن يبدو مختلفا بالنسبة لمسلمي اليوم، الذين يعانون الفرقة والتشرذم والاقتتال، والبعد عن منهاج الدين وعدم الأخذ بأسباب النجاح التي أخذ بها السلف الصالح، مصداقا لقول الإمام مالك إمام دار الهجرة: إنه لن يصلح حال الأمة اليوم إلا بما صلح به حال أولها، فالأمة الإسلامية اليوم ابتفت لعزها غير الإسلام، ومن ثم باتت عن ذلك العز أبعد وأضل، فغدت تابعة للغرب تبني دولها سياسات ومواقف خارجية متناقضة، وصلت إلى حد موالاة غير المسلمين ضد المسلمين في أحيان كثيرة، الأمر الذي زاد من حدة التشتت بين الدول والمجتمعات الإسلامية، وسوغ لأعداء الإسلام الليل منه ومن معتقيه في مواضع عديدة. (6)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(5) المصدر السابق (6) للمزيد، انظر: د. أحمد شلبي، الاستشراق، القاهرة: مكتبة النهضة، 1992 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت