الصفحة 32 من 64

إن المسلمين حينما فتحوا البلاد، لم يتدخلوا في شئون دينها، ولم يرغموا أحدا قط على تغيير عقيدته، ولم يثبت التاريخ واقعة واحدة أكره فيها فرد غير مسلم، أو أسرة، أو بلدة غير مسلمة، على الدخول في الإسلام. كما أثبت التاريخ أيضا أن كثيرا من البلاد الإسلامية التي نعرفها اليوم لم يدخلها جيش مسلم، ولكنها دخلت في الإسلام بتأثير التجار وغيرهم من الناس الذين لم يكونوا علماء ولا دعاة، وإنما أحبهم الناس لما رأوا فيهم من صدق الإيمان، وحسن الخلق، وحب الخير للناس، فكانوا أسوة حسنة، أحب الناس دينهم بحبهم، ودخلوا فيه أفرادا وجماعات. هكذا دخل الإسلام في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين، وغيرها بدعوة تجار حضرموت وأمثالهم ممن جاءوا من جنوب اليمن

وهناك بلاد كثيرة في إفريقيا انتشر فيها الإسلام من خلال الطرق الصوفية، وعن طريق الاحتكاك بالمسلمين، والتأثر بسلوكياتهم وآدابهم وأفكارهم. وحتى البلاد التي دخلتها الجيوش الإسلامية كان وجود تلك الجيوش محصورا في العواصم والثغور، وتجسد الهند مثالأ حيا لذلك؛ حيث كان انتشار الإسلام في القارة الهندية، أبعد وأوسع بكثير مما دخلته الجيوش، وامتدت دعوته شمالا وجنوبا، وشرقا وغريا، حتى نشأت دولتان إسلاميتان كبيرتان هما باكستان وبنجلاديش، كما أصبحت شبه القارة الهندية مقرا لأكبر تجمع إسلامي في العالم. (2)

ومن ينظر بعمق في تاريخ الإسلام ودعوته وانتشاره يجد أن البلاد التي فتحها المسلمون، لم ينتشر فيها الإسلام إلا بعد مدة من الزمن، حين زالت الحواجز بين الناس والدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم، ورأوا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع ربهم، وتعاملهم مع أنفسهم، وتعاملهم مع غيرهم ما يحببهم إلى الناس، ويقربهم من دينهم، الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل، وفي بلد كمصر، وقد فتحت في عهد أمير المومنين عمر بن الخطاب، ظل الناس على دينهم النصراني عشرات السنين،

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(2) للمزيد من التفصيل في هذه النقطة، انظر: البداية والنهاية لابن كثير، (22/ 7 - 32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت