فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 1738

وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} [الجمعة: 7] بحرف"لا"في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل، فصار من صيغ العموم، فانسحب [1] على جميع الأزمنة، وهو قوله عز وجل: {إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} [الجمعة: 6] كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقتٍ من الأوقات أو زمنٍ من الأزمان، وقيل لهم:"تمنوا الموت"، فلا يتمنونه أبدًا. وحرف الشرط دلَّ على هذا المعنى، وحرف"لا"في الجواب بإزاء صيغة العموم، لاتِّساع معنى النفي فيها.

وقال في سورة البقرة: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ} فقصَّر [2] من سَعَة النفي وقرَّب، لأن قبله: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} ؛ لأن"إن"و"كان"هنا ليست من صِيَغ العموم؛ لأن"كان"ليست بدالَّةٍ على حدث، وإنما هي داخلة على المبتدأ، والخبر عبارة عن مُضِيِّ الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث، فكأنه يقول عز وجل: إن كان قد وجبت لكم الدار الآخرة، وثبتت لكم في علم الله؛ فتمنوا الموت الآن، ثم قال في الجواب: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ} (ق/ 13 أ) ، فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعًا.

وليس في قوله: {أَبَدَا} ما يناقض ما قلناه، فقد تكون"أبدًا"بعد فعل الحال؛ تقول:"زيد يقوم أبدًا".

ومن أجلِ ما تقدم من قصور معنى النفي في"لن"، وطوله في"لا"يعلمُ الموفقُ قصور المعتزلة في فهم كلام الله حيث جعلوا"لن"

(1) (ق) :"ما انسحب".

(2) (ق) :"فقضى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت