فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 389

وإرادته فتصوره بِالشُّبُهَاتِ الَّتِي تعرض لَهُ حَتَّى لَا يرى الحق أَو يرَاهُ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ وإرادته بِحَيْثُ يبغض الحق النافع وَيُحب البَاطِل الضار فَلهَذَا يُفَسر الْمَرَض تَارَة بِالشَّكِّ والريب كَمَا فسر مُجَاهِد وَقَتَادَة قَوْله (الْبَقَرَة: 10) {فِي قُلُوبهم مرض} أَي شكّ وأنه يُفَسر بشهوة الزِّنَا كَمَا فسر بِهِ قَوْله (الأَحْزَاب: 32) {فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض} ، وَلِهَذَا صنف الخرائطي كتاب (اعتلال القُلُوب) أَي مَرضهَا وَأَرَادَ بِهِ مَرضهَا بالشهوة وَالمَرِيض يُؤْذِيه مَا لا يُؤْذِي الصَّحِيح فيضره يسير الحر وَالبرد وَالعَمَل وَنَحْو ذَلِك من الأُمُور الَّتِي لَا يقوى عَلَيْهَا لضَعْفه بِالمرضِ، وَالمَرَض فِي الجُمْلَة يضعف المَرِيض بِجعْل قوته ضَعِيفَة لَا تطِيق مَا يطيقه القوى وَالصِّحَّة تحفظ بِالْمثلِ وتزال بالضد وَالمَرَض يقوى بِمثل سَببه وَيَزُول بضده فَإِذا حصل للْمَرِيض مثل سَبَب مَرضه زَاد مَرضه وَزَاد ضعف قوته حَتَّى رُبمَا يهْلك وَإِن حصل لَهُ مَا يقوى القُوَّة ويزيل المَرَض كَانَ بِالعَكْسِ وَمرض القلب ألم يحصل فِي القلب كالغيظ من عَدو استولى عَلَيْك فَإِن ذَلِك يؤلم القلب قَالَ الله تَعَالَى (التَّوْبَة: 15) {ويشف صُدُور قوم مُؤمنين وَيذْهب غيظ قُلُوبهم} فشفاؤهم بِزَوَال مَا حصل فِي قُلُوبهم من الألم وَيُقَال فلَان شفى غيظه وَفِي القود استشفاء أَوْلِيَاء المَقْتُول وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا شِفَاء من الغم والغيظ والحزن وكل هَذِه آلام تحصل فِي النَّفس وَكَذَلِكَ الشَّك وَالجهل يؤلم القلب قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم (( هلا سَأَلُوا إِذا لم يعلمُوا فَإِن شِفَاء العي السُّؤَال ) ) [1] والشاك فِي الشَّيْء المرتاب فِيهِ يتألم قلبه حَتَّى يحصل لَهُ العلم وَاليَقِين وَيُقَال للعَالم الَّذِي اجاب بِمَا يبين الحق قد شفاني بِالجَوَابِ وَالمَرَض دون المَوْت فالقلب يَمُوت بِالجَهْلِ المُطلق ويمرض بِنَوْع من الجَهْل فَلهُ موت وَمرض وحياة وشفاء وحياته وَمَوته ومرضه وشفاؤه أعظم من حَيَاة الْبدن وَمَوته ومرضه وشفائه فَلهَذَا مرض القلب إِذا ورد عَلَيْهِ شُبْهَة أَو شَهْوَة قوت مَرضه وَإِن حصلت لَهُ حِكْمَة وموعظة كَانَت من أَسبَاب صَلَاحه وشفاءه قَالَ تَعَالَى (الْحَج: 53) {ليجعل مَا يلقى الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرضٌ} لِأَن ذَلِك أورث شُبْهَة عِنْدهم والقاسية قُلُوبهم ليبَسِها فَأُولَئِك قُلُوبهم ضَعِيفَة بِالْمرضِ فَصَارَ مَا ألْقى الشَّيْطَان فتْنَة لَهُم وَهَؤُلَاء كَانَت قُلُوبهم قاسية عَن الايمان فَصَارَ فتْنَة لَهُم وَقَالَ (الْأَحْزَاب: 60) {لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة} كَمَا قَالَ (المدثر: 31) {وليقول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض} لم تمت قُلُوبهم كموت قُلُوب الكفَّار وَالمُنَافِقِينَ وَلَيْسَت صَحِيحَة صَالِحَة

(1) الحديث ورد كما أخرجه أبو داود في سننه برقم (336) من طريق عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (( قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَا لُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ"يَعْصِبَ"شَكَّ مُوسَى - َعلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ) )؟. قال الشيخ الألباني: (حسن دون قوله إنما كان يكفيه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت