وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
رأسُ الأَمرِ طاعةُ اللهِ ورسولهِ صلى الله عليه وسلم
من هدي الكتاب والسنة:
(من هدي الكتاب؛ قال الله تعالى:
1. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59) [1] .
(1) اختلف العلماء في شأن (أولي الأمر) قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 5/ 258: تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته جل وعز أولًا، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيًا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثًا؛ على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم. قال سهل بن عبد الله التستري: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد .... وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاصٍ وإن كان أميرًا جائرًا. وقال ابن خويز منداد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان له فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية؛ ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزو، والحكم من قولهم، وتولية الإمامة والحسبة؛ وإقامة ذلك على وجه الشريعة. وإن صلُّوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلاَّ أن يخافوا فيصلي معهم تقية وتعاد الصلاة. قلت: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة؛ فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته) . وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: (أولو الأمر) أهل القرآن والعلم؛ وهو اختيار مالك (رحمه الله) ، ونحوه قول الضحاك قال: (يعني الفقهاء والعلماء في الدين) . وحكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وحكى عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصة. وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن حرائر. فقلت بأي شيء؟ قال بالقرآن. قلت: بأي شيء في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، وكان عمر من أولي الأمر؛ قال: عتقت ولو بسقط ... وقال ابن كيسان: (هم أولو العقل، الرأي الذين يدبرون أمر الناس) . قلت: وأصح هذه الأقوال الأول والثاني؛ أما الأول؛ فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم. وروى الصحيحان عن ابن عباس قال: نزل {يَا أَيهَا الذين آمنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. قال أبو عمر: وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة؛ ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبًا ويوقدوا نارًا؛ فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي؟! وقال: (( من أطاع أميري فقد أطاعني ) ). فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلَّا لننجو من النار! فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) )قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} (النساء 29) . وهو حديث صحيح الإسناد مشهور .... وأما القول الثاني فيدل على صحته. قوله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة؛ ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبًا، وامتثال فتواهم لازمًا. قال سهل بن عبد الله (رحمه الله) : لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء؛ فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم).
وابن خويز منداد هو: فقيه من فقهاء المالكية تكلم عليه القاضي عياض في ترتيب المدارك فذكر أنه كنّاه أبو إسحاق الشيرازي .. بأبي بكر وسماه محمد بن أحمد بن عبد الله. وقال عياض: (ورأيت على كتبه كنيته، بأبي عبد الله، وفي نسبته: محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق) . وقال الشيرازي أيضًا: (تفقه بالأبهري وسمع الحديث) . يروي عن أبي داسة، وأبي الحسن التمَّار، وأبي الحسن المصيصي، وأبي إسحاق التجيبي، وأبي العباس الأصم، وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وفي أحكام القرآن، وعنده شواذ عن مالك. وله اختيارات وتأويلات على المذهب في الفقه، والأصول، لم يرجع عليها حذاق المذهب ... وكان يجانب الكلام جملة، وينافر أهله، حتى تعدى ذلك إلى منافرته المتكلمين من أهل السنة، وحكم على الكل بأنهم من أهل الأهواء، الذين قال مالك في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وعيادتهم وجنائزهم، كان شديدًا على المتكلمين، متمسكًا بالسنة، طعن فيه بعض المالكية، توفي سنة (390) ه. ينظر: ترجمته في كتاب تفسير ابن خويز منداد، جمع وتوثيق: عبد القادر محجوبي، مركز الإمام الثعالبي - دار ابن حزم، الطبعة الأولى - سنة الطبع 1430 ه.