فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 389

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ

مِنْ هَدْي الْكِتَابِ والسُّنةِ:

(من هدي الكتاب العزيز؛ قال الله تعالى:

1. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} (البقرة: 165) [1] .

2. {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: 31) [2] .

(1) قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 2/ 203: (لما أخبر اللّهُ سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أندادًا، وواحدها(ند) ، وقد تقدم. والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة اللّه مع عجزها، قاله مجاهد: قوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق، قاله المبرد، وقال معناه الزجاج: أي أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته. وقال ابن عباس والسدي: المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون، يطيعونهم في معاصي اللّه. وجاء الضمير في {يُحِبُّونَهُمْ} على هذا على الأصل، وعلى الأول جاء ضمير الأصنام ضمير من يعقل على غير الأصل. وقال ابن كيسان والزجاج أيضا: معنى {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} أي يسوون بين الأصنام وبين اللّه تعالى في المحبة. قال أبو إسحاق: وهذا القول الصحيح، والدليل على صحته: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} ... والكاف من {كَحُبِّ} نعت لمصدر محذوف، أي يحبونهم حبًا كحب اللّه. {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم. وقيل: إنما قال {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} لأن اللّه تعالى أحبهم أولا ثم أحبُّوه. ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم، قال اللّه تعالى: {يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ} (المائدة 54 ) ) .

وقال ابن كثير في تفسيره 1/ 346: (وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} وَلِحُبِّهِمْ لِلَّهِ وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وَتَوْقِيرِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ، لَهُ، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا بَلْ يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ، وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، وَيَلْجَئُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} قَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ، لَوْ عَايَنُوا الْعَذَابَ لَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أَيْ إِنَّ الْحُكْمَ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ وَسُلْطَانِهِ) .

(2) قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 4/ 60: (والآية نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حب لله عز وجل؛ قاله محمد بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وابن جريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا. وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا؛ فأنزل الله عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} . قال ابن عرفة: المحبة عند العرب إرادة الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما واتباعه أمرهما؛ قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} ، ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران؛ قال الله تعالى: {إنَّ اللهَ لَا يُحبُّ الكَافِرينَ} (آل عمران 32) أي لا يغفر لهم. وقال سهل بن عبدالله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة؛ وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلَّا الزاد والبلغة. وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} ، قال: (( على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس ) )خرجه أبو عبد الله الترمذي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أراد أن يحبَّه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألا يؤذي جاره ) ). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال إني أحب فلانًا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانًا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلانًا فأبغضوه - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت