مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ نصفَينِ، وَيُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحَديدِ مَا دُونَ لَحْمِه وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْر حَتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَموتَ لاَ يَخَافُ إلاَّ اللهَ والذِّئْب عَلَى غَنَمِهِ، ولكنكم تَسْتَعجِلُونَ )) ، وفي رواية: (وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شدَّةً) [1] .
15.وعن سُلَيْمَانَ بن صُرَدٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذ باللهِ منَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، ذَهَبَ منْهُ مَا يَجِدُ ) ). فَقَالُوا لَهُ: إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (( تَعَوّذْ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ ) ) [2] .
16.وعن معاذِ بنِ أَنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (( مَنْ كَظَمَ غَيظًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالى عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ ) ) [3] .
(1) أخرجه البخاري برقم (3612) و (385) . قال الشيخ محمد عبد الله أبو صعيليك في كتابه الأمل وأثره في حياة الأمة ص 42: (رجلٌ مجلود الظهر، كثير الهمَّ يأتي قائده ليدعو له، فيوقد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه شعلة الأمل .. فأولًا: ما أصابكم من أذىً وعذابٍ أقل مما أصاب مَنْ قبلكم مِنَ المؤمنين، وقد صبروا هم، فلتصبروا أنتم. وثانيًا: سيظهر الله هذا الدين، وتدين به العباد، وتفتح به البلاد، حتى يبلغ الأراضي الوعرة في أقصى جزيرة العرب، التي لا يأمن فيها المرءُ على نفسه، ولا على غنمه من قاطع طريق أو غيره، حتى يسودها الأمن، فيأمن المرء على نفسه وغنمه من بني آدم، فهي يومئذٍ أرض إسلامٍ، فلا سلب فيها وقطع للطريق، ولا إخافة. وحتى يهزّ في نفسه استباق الثمرة، قال له:(( ولكنكم تستعجلون ) )، إذ لابدَّ لمرحلة الرخاء من مقدمات شدة، ولا بد لطلوع الفجر من ظلام يحفُّ به، ولا بد للنصر من تبعات، جلد الظهور، وسفك الماء، وترك المطعم الهنيء وهكذا. ولا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته استعجال الثمار، فإنَّ أخطر ما يواجه العامل أن يستعجل ثمرة عمله، فيفسد هذا العمل بهذا الاستعجال، ولا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تصدى لردِّ الشاردين إلى الله أن يستعجل الثمار، فإنَّ هذا مفسدٌ للأعمال، مُذهبٌ للنتائج، موغرٌ للصدور، صادٌّ عن سبيل الله. ولعلّ ما يصيب المسلمون في هذه الأيام نابعٌ في كثير من حيثياته من استعجال الثمار، ولنتذكّر هنا مقولة الفقهاء: (من تعجّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه) إذًا أراد النبي صلى الله عليه وسلم زرع الأمل في نفس خباب أولًا، وللأُمة ثانيًا، لكنه يريد الأمل الواثق وئيد الخطى، ولا يريد الأمل الذي تستعجل به الثمار، وتفسد به الجهود).
(2) أخرجه البخاري برقم (3282) ، ومسلم برقم 109 - (2610) .
(3) أخرجه أبو داود (4777) ، وابن ماجه (4186) ، والترمذي (2021) وقال: (حديث حسن غريب) . قال الشيخ الألباني: (حسن) . ومعنى الغيظ: هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ لأن من لا يستطيع لا يغضب لكنه يحزن، ولهذا يوصف الله بالغضب. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 1/ 125.