الصريح لمحرمية النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ حرام.
وما نقل عن الحافظ ابن حجر وعن الدمياطي ليبطل به محرمية الرضاعة ليس على منهجه وطريقته؛ فإنهما لم يخرجا من القول بمحرمية الرضاعة إلا ليقرِّرا قولًا آخر من أقوال أهل العلم وهو خصوصيته - صلى الله عليه وسلم - بذلك من دون سائر الأمة.
فابن حجر والدمياطي خرجا من قولٍ معروف لأهل العلم إلى قولٍ معروف وإن كان ضعيفًا، لكنَّ كلا القولين قد بُنِيا على إجماعٍ محكم أنه لم يفعل - صلى الله عليه وسلم - ما فَعَلَ استباحةً لمثل ذلك مع النساء الأجنبيات وإنما لسببٍ خاصٍّ؛ إما رضاع ينشر المحرمية، وإما خصوصية بوحيٍ يستثنيه ويمنع اقتداءَ الأمة به، أما أحمد بن قاسم فركب هولًا عظيمًا حينَ لم يرضَ القول بالمحرمية ثم أبطل الخصوصية التي اعتصم بها من لم تثبت عنده المحرمية.
قال أحمد بن قاسم: (( ومن زعم أنَّ ذلك من خصوصياته عليه السلام، فقد تحكم بغير برهان فإن الخصوصية حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، والأصل مشروعية التأسي بأفعاله - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ولا يترفع عن التأسي بأفعال المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إلا متهوِّك ضال، والصواب أن فلي المرأة رأس الرجل من الأمور الجائزة ونحوه القص والحلق، فالحديث يفيد جوازه وجواز الاختلاط )).
فهذا من أظهر الأمثلة التي تبيِّن منهجَ الخوارج في الاستدلال؛ فتَرَى فيه عيانًا اتباع المتشابه من هذا الحديث الذي لم يُحِطْ به علمه وترك محكمَ الشريعة، وتَرَى فيه كيف رمى بكلِّ المعاني المعروفة عند العلماء واستحدث معنى جديدًا منكرًا لم يعرفه عالمٌ قطُّ فاتَّبَعه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وتَرَى فيه كيف ضربَ بالإجماع الذي بُنِيتْ عليه كلُّ أقوال العلماء عرض الحائط.
ومن أعظم الخذلان أن ضيَّق الله عليه الاستدلالات فابتلاه بهذا المُطَّلَع العظيم من أذى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في عرضه، فجرَّأ بذلك منافقي الصحافة وسفهائها على الخوض في أزكى عرضٍ وأنقاه بالزور والبهتان، وهذا ما سترى تحريره في هذه الفصل بعون الله، نسأل الله تعالى أن يعصمنا والمسلمين من هذه المهالك.