قبله، ثم قسَّمَ الله الإنسان إلى نوعين ذكر وأنثى في وقت واحد، وذلك كما جاء في الإصحاح الأول من سفر التكوين، وازدادت حيرة فريزر حين انتقل لقراءة الإصحاح الثاني الذي فاجأه برواية مغايرة بل تختلف تماما عن هذه الرواية الخطيرة على حد قوله، بل تتناقض كل التناقض ومثيرة للدهشة؛ حيث جاء فيها خلق الكائنات معكوسًا؛ فقد خلق الله الإنسان أولا، ثم خلق صنوف الحياة الدنيا من بعده، أما خلق المرأة فقد جاء بعد أن انتهى الله من هذا كله، فقد جاء خلقها من ضلع الرجل انتزاعًا أثناء نومه.
يفسر جيمس فريزر هذا التناقض البين بين القصتين بردهما إلى من كتبهما استمدادًا من مصدرين متباينين، ومستقلين في أصلهما، ثم أعمل فيهما قلمه بأن نقلهما معًا وخطهما في كتاب واحد بعد أن جمعهما معًا على هذا الترتيب المتناقض الذي لم يلتفت له في حينه، ولهذا فقد فات عليه أن يوائم بينهما ليزيل عنهما هذا التناقض أو على الأقل يخفف من حدته.
ويرى فريزر أن قصة الخلق الواردة في الإصحاح الأول من سفر التكوين قد استمدها كاتبها مما خطه الكهنوتيين بأيديهم فيما تعارف عليه علماء مقارنة الأديان بالمصدر الكهنوتي، بينما جاءت قصة الخلق الثانية والواردة بالإصحاح الثاني من نفس السفر من المصدر اليهودي وهو المصدر الذي سبق المصدر الكهنوتي بقرون عديدة، وهو ما بان أثره في تصور كل كاتب للرب في ذهنه، حيث جاءت صورة الرب بشرية محسوسة لكاتب الإصحاح الأول في المصدر اليهودي، بينما جاء ت صورة الرب مجردة في تصور الكاتب الناقل عن المصدر الكهنوتي المتأخر ولهذا جاء أمره مشوبًا بالبساطة حين أصدر أمره إلى جميع الكائنات أن توجد فكانت.
وهذا التصور في الانحراف العقدي في تكوين صورة الإله عند كاتب سفر التكوين ما يؤكد ما أسلفناه أنه ساهم مساهمة فعالة في وجود هذا التناقض الصارخ داخل الكتاب المقدس والذي ظهر بصورة مخالفة لنصين من نصوصه، وكان هذا تمهيدًا حتميًا لأن تأتي قصة خلق الكون والإنسان مختلفة بين سفر التكوين وبين القرآن الكريم.
على الرغم من أن مفردات قصة خلق الإنسان في القرآن الكريم تناثرت آياتها وتعددت لكنها في النهاية بدت متكاملة تحوطها نظرية متماسكة، أضفى عليها كثير من المصداقية والإقناع بحيث أجابت إجابات شافية عن الأسئلة التي كانت تدور في العقل الإنساني.
إن خلق الإنسان ليس إلا جزءًا من عملية الخلق الكبرى، التي شملت السماوات والأرض وما بينهما، ومع أن هذه الأجرام الكبرى قد أوجدها الله تعالى من العدم، فإن الإنسان قد نشأ من عناصرها: الماء والتراب، اللذين تحولا إلى طين لازب، فحمأ مسنون، فصلصال كالفخار، ثم تم تسويته وتعديله حتى أصبح مؤهلًا لنفخ الروح الإلهي فيه.