أما السبب الرئيس في اتصال انحراف عقيدتهم في الرب يؤدي إلى هذا الاختلاف بين التوراة والقرآن الكريم في قصة خلق الكون، هو فساد اعتقادهم في الرب بين المحسوس والتجريد في التصور الكهنوتي واليهودي، وكونه إله لا يهتم بالقواعد الأخلاقية أو أية مبادئ ولهذا يأبه لها إن خرقها أو تجاهلها بالكلية في سبيل حصوله على مغانم وقتية رخيصة، ولو استخدم أساليب تتسم بالخداع، وذلك سوغ لأتباعه من اليهود أيضًا الجرأة على نصوص التوراة والعبث بها، لسقوط القداسة في أعينهم عنها مما يسر تحريفها تبعًا لأهوائهم.
• تأثر اليهود بأساطير نشأة الكون من الشعوب المحيطة بهم ونقلها:
نقل اليهود الأخبار الشعبية والأساطير الشفهية من الرواة المحترفين في تلك المجتمعات التي عاشوا فيها، وقد تجمعت تلك الأخبار التي كانت منفصلة عن بعضها في شكل لم يبدو متماسك البنيان، وذلك مرده تباين تلك الأخبار والأساطير التي كونت بعض الأسفار ومنها بل أولها بالطبع سفر التكوين.
وهذا ما دعا عالم الإنثربولوجي"جيمس فريزر"رائد المدرسة التطورية أن يقول في مقدمة الطبعة المختصرة لكتابه:"الفولكلور في العهد القديم": (وقد حاولت في هذا الكتاب أن أسير على هدي الدراسات الفولكلورية متعقبًا بعض معتقدات الإسرائيليين القدماء وأنماط سلوكهم الفكرية والعلمية في المراحل الأكثر قدمًا وفجاجة، تلك التي تشبه ما نجده لدى القبائل البدائية التي تعيش حتى اليوم من معتقدات وعادات) إلى أن يذكر الدافع الأقوى عنده من دراسته تلك، فيقول: (ولقد دفعني الهدف من دراستي هذه إلى أن أنعم النظر في بصفة أساسية في الجانب الأدنى من حياة العبريين القدماء كما تتمثل في العهد القديم، وأن أتتبع آثار الهمجية والخرافة، تلك الآثار التي تنتشر على صفحات) .
يقول الدكتور كارم محمود عزيز: (وقد حمل الأثري الأمريكي"جيمس بريتشل"على عاتقه مهمة مقارنة رواية الخلق العبرانية الواردة في الإصحاح الأول من سفر التكوين برواية الخلق البابلية، حيث اكتشف تطابقًا مدهشًا بينهما، وكان أول ما آثار انتباهه ذلك التتابع المدهش الذي اتسمت به الروايتان"ظهور السماء والأجرام السماوية، انفصال المياه عن الأرض، خلق الإنسان في اليوم السادس وراحة الإله في اليوم السابع، ويرى"كييرا"أن طريقة عرض قصة خلق العالم والإنسان في الرواية التوراتية في سرد حوادثها بالتعاقب، تشبه تمامًا طريقة سرد القصة نفسها في الرواية البابلية [أينوما إيليش] ") [1] .
(1) دكتور كارم محمود عزيز، أساطير التوراة الكبرى وتراث الشرق الأدنى القديم، مكتبة النافذة، الجيزة، مصر، 2006 م، ص 114، 115.